أبي حيان الأندلسي
476
تفسير البحر المحيط
قال الرسول عنه : إنه أول من سن القتل ، وقد كان القتل في بني إسرائيل ، ويحتمل قوله * ( بالحق ) * أن يكون حالاً من الضمير في * ( واتل ) * أي : مصحوباً بالحق ، وهو الصدق الذي لا شك في صحته ، أو في موضع الصفة لمصدر محذوف ، أي : تلاوة ملتبسة بالحق ، والعامل في * ( إذ ) * * ( نبأ ) * أي : حديثهما وقصتهما في ذلك الوقت ، وقال الزمخشري : ويجوز أن يكون بدلاً من النبأ ، أي : أتل عليهم النبأ نبأ ذلك الوقت ، على تقدير حذف المضاف انتهى ، ولا يجوز ما ذكر ، لأن * ( إذ ) * لا يضاف إليها إلا الزمان ، و * ( نبأ ) * ليس بزمان ، وقد طول المفسرون في سبب تقريب هذا القربان ، وملخصه : أن حواء كانت تلد في كل بطن ذكراً أو أنثى ، وكان آدم يزوج ذكر هذا البطن أنثى ذلك البطن ، وأنثى هذا ذكر ذلك ، ولا يحل للذكر نكاح توءمته ، فولد مع قابيل أخت جميلة اسمها أقليميا ، وولد مع هابيل أخت دون تلك اسمها لبوذا ، فأبى قابيل إلا أن يتزوج توءمة هابيل ، وأن يخالف سنة النكاح إيثاراً لجمالها ، ونازع قابيل هابيل في ذلك ، فقيل أمرهما آدم بتقريب القربان ، وقيل : تقربا من عند أنفسهما ، إذ كان آدم غائباً ، توجه إلى مكة لزيارة البيت بإذن ربه ، والقربان الذي قرباه هو زرع لقابيل ، وكان صاحب زرع ، وكبش هابيل وكان صاحب غنم * ( فتقبل من أحدهما ) * وهو هابيل * ( ولم يتقبل من الآخر ) * وهو قابيل ، أي : فتقبل القربان ، وكانت علامة التقبل : أكل النار النازلة من السماء القربان المتقبل وترك غير المتقبل ، وقال مجاهد : كانت النار تأكل المردود ، وترفع المقبول إلى السماء ، وقال الزمخشري : يقال : قرب صدقة وتقرب بها ، لأن تقرب قرب انتهى ، وليس تقرب بصدقة مطاوع ، قرب صدقة لاتحاد فاعل فعلين ، والمطاوعة يختلف فيها الفاعل ، فيكون * ( من أحدهما ) * فعل ، * ( ومن الآخر ) * انفعال نحو : كسرته فانكسر ، وفلقته فانفلق ، وليس قربت صدقة ، وتقربت بها ، من هذا الباب ، فهو غلط فاحش ، * ( قال لأقتلنك ) * هذا وعيد وتهديد شديد ، وقد أبرز هذا الخبر مؤكداً بالقسم المحذوف أي : لأقتلنك حسداً على تقبل قربانك ، وعلى فوزك باستحقاق الجميلة أختي ، وقرأ زيد بن علي * ( لأقتلنك ) * بالنون الحفيفة ، * ( قال إنما يتقبل الله من المتقين ) * قال ابن عطية : قبله كلام محذوف تقديره : لم تقتلني وأنا لم أجن شيئاً ، ولا ذنب لي في قبول الله قرباني ، أما إني أتقيه وكتب على لأحب الخلق * ( إنما يتقبل الله من المتقين ) * وخطب الزمخشري هنا فقال فإن قلت : كيف كان قوله * ( إنما يتقبل الله من المتقين ) * جواباً لقوله * ( لأقتلنك ) * قلت : لما كان الحسد لأخيه على تقبل قربانه هو الذي حمله على توعده بالقتل ، قال له : إنما أتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى ، لا من قبلي ، فلم تقتلني ؟ وما لك لا تعاقب نفسك ، ولا تحملها على تقوى الله التي هي السبب في القبول ، فأجابه بكلام حكيم مختصر ، جامع لمعان ، وفيه دليل على أن الله تعالى لا يقبل طاعة إلا من مؤمن متق ، فما أنعاه على أكثر العاملين أعمالهم ، وعن عامر بن عبد الله : أنه بكى حين حضرته الوفاة ، فقيل له : ما يبكيك ؟ فقد كنت وكنت قال : إني أسمع الله يقول * ( إنما يتقبل الله من المتقين ) * انتهى كلامه ، ولم يخل من دسيسة الاعتزال على عادته ، يحتاج الكلام في فهمه إلى هذه التقديرات ، والذي قدرناه أولاً كاف ، وهو أن المعنى : لأقتلنك حسداً على تقبل قربانك ، فعرض له بأن سبب قبول القربان هو التقوى ، وليس متقياً ، وإنما عرض له بذلك ، لأنه لم يرض بسنة النكاح التي قررها الله تعالى ، وقصد خلافها ، ونازع ، ثم كانت نتيجة ذلك أن برزت في أكبر الكبائر بعد الشرك ، وهو قتل النفس التي حرمها الله ، قال ابن عطية : وأجمع أهل السنة في معنى هذه الألفاظ أنها اتقاء الشر ، فمن اتقاه وهو موحد ، فأعماله التي تصدق فيها نيته مقبولة ، وقال عدي بن ثابت وغيره : قربان هذه الأمة الصلاة ، وقول من زعم أن قوله * ( إنما تقبل الله من المتقين ) * ليس من لاكم المقتول ، بل هو من