أبي حيان الأندلسي
414
تفسير البحر المحيط
اليمن . وكما سمي المكتوب كتاباً . * ( وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ) * أي ذكرنا أخبارهم لك . * ( وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ) * روي من حديث أبي ذر : أنه سئل عن المرسلين ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ) : * ( كَانَ * الْمُرْسَلُونَ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ) * . قال القرطبي : هذا أصح ما روي في ذلك ، خرجه الآجريّ وأبو حاتم البستي في مسند صحيح له . وفي حديث أبي ذر هذا : أنه سأله كم كان الأنبياء ؟ فقال : * ( مِاْئَةِ أَلْفٍ * نَّبِىٍّ * فِى قَرْيَةٍ مّن نَّبِىٍّ ) * . وروي عن أنس : * ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) بعث على أثر ثمانية آلف من الأنبياء منهم أربعة آلاف من بني إسرائيل ) * . وروي عن كعب الأحبار أنه قال : الأنبياء ألف ألف وأربعمائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً . وقال ابن عطية : ما ذكر من عدد الأنبياء غير صحيح ، والله أعلم بعدتهم انتهى . وانتصاب ورسلاً على إضمار فعل أي : قد قصصنا رسلاً عليك ، فهو من باب الاشتغال . والجملة من قوله : قد قصصناهم ، مفسرة لذلك الفعل المحذوف ، ويدل على هذا قراءة أبي ورسلُ بالرفع في الموضعين على الابتداء . وجاز الابتداء بالنكرة هنا ، لأنه موضع تفصيل كما أنشدوا : فثوب لبست وثوب أجر . وقال امرؤ القيس : * بشق وشق عندنا لم يحوّل ومن حجج النصب على الرفع كون العطف على جملة فعلية وهي : وآتينا داود زبوراً . وقال ابن عطية : الرفع على تقدير وهم : رسل ، فعلى قوله يكون قد قصصناهم جملة في موضع الصفة . وجوّزوا أيضاً نصب ورسلاً من وجهين : أحدهما : أن يكون نصباً على المعنى ، لأن المعنى : إنا أرسلناك وأرسلنا رسلاً ، لأن الرد على اليهود إنما هو في إنكارهم إرسال الرسل واطراد الوحي . * * ( وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً ) * هذا إخبار بأن الله شرف موسى بكلامه ، وأكد بالمصدر دلالة على وقوع الفعل على حقيقته لا على مجازه ، هذا هو الغالب . وقد جاء التأكيد بالمصدر في المجاز ، إلا أنه قليل . فمن ذلك قول هند بنت النعمان بن بشير الأنصاري : * بكى الخز من عوف وأنكر جلده * وعجت عجيجاً من جذام المطارف * وقال ثعلب : لولا التأكيد بالمصدر لجاز أن تقول : قد كلمت لك فلاناً بمعنى كتبت إليه رقعة وبعثت إليه رسولاً ، فلما قال : تكليماً لم يكن إلا كلاماً مسموعاً من الله تعالى . ومسألة الكلام مما طال فيه الكلام واختلاف فيها علماء الإسلام ، وبهذه المسألة سمي علم أصول الدين بعلم الكلام ، وهي مسألة يبحث عنها في أصول الدين . وقرأ إبراهيم بن وثاب : وكلم الله بالنصب على أن موسى هو المكلم . ومن بدع التفاسير أنه من الكلم ، وأنّ معناه : وجرح الله موسى بأظفار المحن ومخالب الفتن . وقال كعب : كلم الله موسى بالألسنة كلها ، فجعل موسى يقول : رب لا أفهم ، حتى كلمه بلسان موسى آخر الألسنة . * ( رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) * أي يبشرون بالجنة من أطاع ، وينذرون بالنار من عصى . وأراد تعالى أن يقطع بالرسل احتجاج من يقول : لو بعث إلي رسول لآمنت . وفي الحديث : ( وليس أحد أحب إليه العذر من الله ) فمن أجل ذلك أنزل الكتب وأرسل الرسل . وقال الزمخشري : فإن قلت : كيف يكون للناس على الله حجة قبل الرسل وهم محجوجون بما نصبه الله تعالى من الأدلة التي النظر فيها موصل