السيد الطباطبائي
64
بداية الحكمة
يثبت بحسب الظن والغفلة عن أن كل حادث مستقبل إما واجب أو ممتنع لانتهائه إلى علل موجبة مفروغ عنها ، ويسمى : " الإمكان الإستقبالي " . وقد يستعمل الإمكان بمعنيين آخرين : أحدهما : ما يسمى : " الإمكان الوقوعي " ، وهو كون الشئ بحيث لا يلزم من فرض وقوعه محال ، أي ليس ممتنعا بالذات أو بالغير ، وهو سلب الامتناع عن الجانب الموافق ، كما أن الإمكان العام سلب الضرورة عن الجانب المخالف . وثانيهما : الإمكان الاستعدادي ، وهو - كما ذكروه ( 1 ) - نفس الاستعداد ذاتا ، وغيره اعتبارا ، فإن تهيؤ الشئ لأن يصير شيئا آخر ، له نسبة إلى الشئ المستعد ، ونسبة إلى الشئ المستعد له ، فبالاعتبار الأول يسمى : " استعدادا " فيقال مثلا : " النطفة لها استعداد أن تصير إنسانا " ، وبالاعتبار الثاني يسمى : " الإمكان الاستعدادي " فيقال : " الانسان يمكن أن يوجد في النطفة " . والفرق بينه وبين الإمكان الذاتي أن الإمكان الذاتي - كما سيجئ ( 2 ) - اعتبار تحليلي عقلي يلحق الماهية المأخوذة من حيث هي ، والإمكان الاستعدادي صفة وجودية تلحق الماهية الموجودة ، فالإمكان الذاتي يلحق الماهية الانسانية المأخوذة من حيث هي ، والإمكان الاستعدادي يلحق النطفة الواقعة في مجرى تكون الانسان . ولذا كان الإمكان الاستعدادي قابلا للشدة والضعف ، فإمكان تحقق الانسانية في العلقة أقوى منه في النطفة ، بخلاف الإمكان الذاتي ، فلا شدة ولا ضعف فيه . ولذا أيضا ، كان الإمكان الاستعدادي يقبل الزوال عن الممكن ، فإن الاستعداد يزول بعد تحقق المستعد له بالفعل ، بخلاف الإمكان الذاتي ، فإنه لازم الماهية ، هو معها حيثما تحققت .
--> ( 1 ) راجع المسألة الخامسة والعشرون من الفصل الأول من شوارق الإلهام . ( 2 ) في الفصل الآتي .