السيد الطباطبائي

60

بداية الحكمة

وقد تبين بذلك : أن الوجوب بذاته وصف منتزع من حاق وجود الواجب ( 1 ) كاشف عن كون وجوده بحتا في غاية الشدة غير مشتمل على جهة عدمية ، إذ لو اشتمل على شئ من الأعدام حرم الكمال الوجودي الذي في مقابله ، فكانت ذاته مقيدة بعدمه ، فلم يكن واجبا بالذات صرفا له كل كمال . الفصل الرابع واجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع الجهات ( 2 ) إذ لو كان غير واجب بالنسبة إلى شئ من الكمالات التي تمكن له بالإمكان العام ، كان ذا جهة إمكانية بالنسبة إليه ، فكان خاليا في ذاته عنه متساوية نسبته إلى وجوده وعدمه ، ومعناه تقيد ذاته بجهة عدمية ، وقد عرفت في الفصل السابق استحالته ( 3 ) . الفصل الخامس في أن الشئ ما لم يجب لم يوجد ( 4 ) وبطلان القول بالأولوية ( 4 ) لا ريب أن الممكن - الذي يتساوي نسبته إلى الوجود والعدم عقلا - يتوقف

--> ( 1 ) بمعنى أن منشأ انتزاعه عين وجود الواجب ، فالمنشأ منشأ بعينه ونفسه ، بخلاف الماهيات الممكنة ، فإن منشأ انتزاعها غيرها . ( 2 ) قال فخر الدين الرازي في شرح عيون الحكمة 3 : 115 : " معناه أنه ممتنع التغير في صفة من صفاته " . وقال الميبدي في شرح الهداية الأثيرية : 72 : " أي ليست له حالة منتظرة غير حاصلة " . وقال صدر المتألهين : " المقصود من هذا أن الواجب الوجود ليس فيه جهة إمكانية ، فإن كل ما يمكن له بالإمكان العام فهو واجب له " . ثم عد ما ذكره الميبدي من فروع الخاصة المذكورة . راجع الأسفار 1 : 122 . ( 3 ) حيث قال : " إذ لو اشتمل على شئ من الأعدام . . . " . ( 4 ) لا يخفى أنه لا وجه لتخصيص الوجود بالذكر ، لأنه كما ليس ترجيح جانب الوجود بالعلة إلا بإيجاب الوجود ، كذلك ليس ترجيح جانب العدم بالعلة إلا إذا كانت العلة بحيث تفيد امتناع معلولها . فالأصح أن يقال : " في أن الشئ ما لم يجب لم يوجد وما لم يمتنع لم يعدم " . ( 5 ) قال صدر المتألهين في عنوان الفصل : " في إبطال كون الشئ أولى له الوجود أو العدم ، أولوية غير بالغة حد الوجوب " . والأصح ما قال المصنف ( رحمه الله ) : " بطلان القول بالأولوية " أو يقال : " في إبطال كون الشئ أولى له الوجود أو العدم ، أولوية غير بالغة حد الوجوب أو الامتناع " . والوجه في ذلك ما ذكرنا من عدم الوجه لتخصيص الوجود بالذكر . وإنما يرد على المصنف ( رحمه الله ) أن مسألة " الشئ ما لم يجب لم يوجد " فرع مسألة " بطلان القول بالأولوية " فينبغي تقديمها عليها كما صنعه أكثر المحققين .