السيد الطباطبائي
110
بداية الحكمة
الفصل الأول في إثبات العلية والمعلولية وأنهما في الوجود قد تقدم أن الماهية في ذاتها ممكنة تستوي نسبتها إلى الوجود والعدم ، وأنها في رجحان أحد الجانبين محتاجة إلى غيرها ( 1 ) ، وعرفت أن القول بحاجتها في رجحان عدمها إلى غيرها نوع تجوز ، وإنما الحاجة في الوجود ، فلوجودها توقف على غيرها ( 2 ) . وهذا التوقف لا محالة على وجود الغير ، فإن المعدوم من حيث هو معدوم لا شيئية له ، فهذا الموجود المتوقف عليه في الجملة هو الذي نسميه : " علة " ، والماهية المتوقفة عليه في وجودها : " معلولتها " ( 3 ) .
--> ( 1 ) في الفصل السابع والثامن من المرحلة الرابعة . ( 2 ) في الفصل العاشر من المرحلة الأولى . ( 3 ) اعلم أنهم اختلفوا في تعريف العلة والمعلول . قال الشيخ الرئيس في رسالة الحدود : " إن العلة هي كل ذات يلزم منه أن يكون وجود ذات أخرى إنما هو بالفعل من وجود هذا الفعل ، ووجود هذا بالفعل من وجود ذلك بالفعل " ، راجع رسائل ابن سينا : 117 . وقال في عيون الحكمة : " السبب هو كل ما يتعلق به وجود الشئ من غير أن يكون ذلك الشئ داخلا في وجوده أو محققا به وجوده " . وناقش فيه فخر الدين الرازي في شرح عيون الحكمة 3 : 45 . وقال المحقق الطوسي : " كل شئ يصدر عنه أمر إما بالاستقلال أو بالانضمام ، فإنه علة لذلك الأمر ، والأمر معلول له " ، راجع كشف المراد : 114 . وأورد عليه القوشجي في شرح التجريد : 112 ، ثم قال : " فالصواب أن يقال : العلة ما يحتاج إليه أمر في وجوده " . ولهم في كتبهم عبارات شتى غير ما ذكر في تعريف العلة والمعلول . ويمكن القول بأن : العلة هي ما يؤثر في الشئ في الوجود ، والمعلول ما يتأثر منه في الوجود ، وبتعبير آخر : العلة ذات تؤثر في الشئ وجودا من حيث هي مؤثرة بالفعل ، والمعلول ذلك الشئ المتأثر من حيث هو متأثر بالفعل . فإن كان المؤثر مؤثرا غير متأثر فهو العلة التامة وإن كان مؤثرا هو متأثر عن المؤثر الآخر فهو العلة الناقصة . ومن هنا يظهر أن العلة التامة منحصرة في الله عز وجل .