أبي حيان الأندلسي

42

تفسير البحر المحيط

وابن عباس ، وقرئ أيضاً هكذا لكن بضم ياء المضارع على البناء للمفعول ، ورد بعضهم هذه القراءة ، وقال : هي باطلة لأنه مأخوذ من الطوق . قالوا : ولازمة فيه ، ولا مدخل للياء في هذا المثال . وقال ابن عطية : تشديد الياء في هذه اللفظة ضعيف انتهى . وإنما ضعف هذا ، أو امتنع عند هؤلاء ، لأنهم بنوا على أن الفعل على وزن تفعل ، فأشكل ذلك عليهم ، وليس كما ذهبوا إليه ، بل هو على وزن : تفعيل من الطوق ، كقولهم : تدير المكان وما بها دّيار ، فأصله : تطيوقون ، اجتمعت ياء واو ، وسبقت إحداهما بالسكون ، فأبدلت الواو ياء وأدغمت فيها الياء ، فقيل : تطيق يتطيق ، فهذا توجيه هذه القراءة وهو توجيه نحوي واضح . ( فهذه ست قراءات ) يرجع معناها إلى الاستطاعة والقدرة ، فالمبني منها للفاعل ظاهر ، والمبني منها للمفعول معناه : يجعل مطيقاً لذلك ، ويحتمل قراءة تشديد الواو والياء أن يكون لمعنى التكليف ، أي : يتكلفونه أو يكلفونه ، ومجازه أن يكون من الطوق بمعنى القلادة ، فكأنه قيل : مقلدون ذلك ، أي : يجعل في أعناقهم ، ويكون كناية عن التكليف ، أي : يشق عليهم الصوم . وعلى هذين المعنيين حمل المفسرون قوله تعالى : * ( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ) * والضمير عائد على الصوم ، فاختلفوا ، فقال معاذ بن جبل ، وابن عمر ، وسلمة بن الأكوع ، والحسن البصري ، والشعبي ، وعكرمة ، وابن شهاب ، والضحاك : كان الصيام على المقيمين القادرين مخيراً فيه ، فمن شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم ، ثم نسخ ذلك * ( فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) * وهذا قول أكثر المفسرين ، وقيل : ثم محذوف معطوف تقديره : يطيقونه ، أو الصوم ، لكونهم كانوا شباباً ثم عجزوا عنه بالشيخوخة ، قاله سعيد بن المسيب والسدي . وقيل : المعنى : وعلى الذين يطيقون الصوم ، وهو بصفة المرض الذي يستطيع معه الصوم ، فخير هذا بين أن يصوم وبين أن يفطر ويفدي ، ثم نسخ ذلك بقوله : * ( فَلْيَصُمْهُ ) * فزالت الرخصة إلاَّ لمن عجز منهم ، قاله ابن عباس . وجوّز بعضهم أن تكون : لا ، محذوفة ، فيكون الفعل منفياً ، وقدره : وعلى الذين لا يطيقونه ، قال : حذف : لا ، وهي مرادة . قال ابن أحمد . * آليت أمدح مقرفاً أبدا * يبقى المديح ويذهب الرفد * وقال الآخر : * فخالف ، فلا والله تهبط تلعة * من الأرض إلاَّ أنت للذل عارف * وقال امرؤ القيس : * فقلت يمين الله أبر قاعدا * ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي *