أبي حيان الأندلسي

318

تفسير البحر المحيط

والزراعة من فروض الكفاية ، فيجبر عليها بعض الناس إذا اتفقوا على تركها . * ( وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء ) * أي هذا التضعيف إذ لا تضعيف فوق سبعمائة ، وقيل : يضاعف أكثر من هذا العدد وروي عن ابن عباس : أن التضعيف ينتهي لمن شاء الله إلى ألفي ألف . قال ابن عطية : وليس هذا بثابت الإسناد عنه . انتهى . وقال الضحاك : يضاعف إلى ألوف الألوف ، وخرّج أبو حاتم في صحيحه المسمى ( بالتقاسيم والأنواع ) عن ابن عمر قال : لما نزلت * ( مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) * الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) : ( رب زد أمّتي ) . فنزلت * ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) * وفي ( سنن النسائي ) قريب من هذا ، إلاَّ أنه ذكر بين الآيتين نزول . * ( مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ) * . وقوله : * ( لِمَن يَشَاء ) * أي : لمن يشاء التضعيف . وفيه دلالة على حذف ، ذلك بمشيئة الله تعالى وارادته . وقال الزمخشري : أي يضاعف تلك المضاعفة لا لكل منفق ، لتفاوت أحوال المنفقين ، أو يضاعف سبع المائة ويزيد عليها أضعافاً لمن يستوجب ذلك . انتهى . فقوله : لمن يستوجب ذلك ، فيه دسيسه الاعتزال . * ( وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ) * أي : واسع بالعطاء ، عليم بالنية . وقيل : واسع القدرة على المجازاة ، عليم بمقادير المنفقات وما يرتب عليها من الجزاء . * ( الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُواْ مَنّا وَلا أَذًى ) * . قيل : نزلت في عثمان ، وقيل : في عليّ ، وقيل : في عبد الرحمن بن عوف وعثمان ، جاء ابن عوف في غزوة تبوك بأربعة آلاف درهم وترك عنده مثلها ، وجاء عثمان بألف بعير بأقتابها وأحلاسها ، وتصدق برمة ركية كانت له تصدق بها على المسلمين . وقيل : جاء عثمان بألف دينار فصبها في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ) لما شبه تعالى صفة المنفق في سبيل الله بزارع الحبة التي أنجبت في تكثير حسناته ككثرة ما أخرجت الحبة ، وكان ذلك على العموم بيّن في هذه الآية أن ذلك إنما هو لمن لا يتبع إنفاقه مناً ولا أذى ، لأنهما مبطلان للصدقة ، كما أخبر تعالى في الآية بعد هذا ، بل يراعى جهة الاستحقاق لاجزاء من المنفق عليه ولا شكراً له ، فيكون قصده خالصاً لوجه الله تعالى ، فإذا التمس بإنفاقه الشكر والثناء كان صاحب سمعة ورياء ، وإن التمس الجزاء كان تاجراً مربحاً لا يستحق حمداً ولا شكراً . والمنّ من الكبائر ثبت في ( صحيح مسلم ) وغيره أنه أحد . ( الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ) . وفي النسائي : ( ثلاثة لا يدخلون الجنة : العاق لوالديه ، ومدمن الخمر ، والمانّ بما أعطى . . وفي قوله : * ( ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ ) * بعد قوله : * ( فِى سَبِيلِ اللَّهِ ) * دلالة على أن النفقة تمضي في سبيل الله ، ثم يتبعها ما يبطلها ، وهو المنّ والأذى ، وقد تبين ذلك في الآية بعدها ، فهي موقوفة ، أعني : قبولها على شريطة ، وهو أن لا يتبعها مناً ولا أذى . وظاهر الآية يدل على أن المنّ والأذى يكونان من المنفق على المنفق عليه ، سواء كان ذلك الإنفاق في الجهاد على سبيل التجهيز أو الإعانة فيه ، أم كان في غير الجهاد . وسواء كان المنفق مجاهداً أم غير مجاهد . وقال ابن زيد : هي في الذين لا يخرجون إلى الجهاد ، بل ينفقون وهم قعود . والآية قبلها في الذين يخرجون بأنفسهم وأموالهم ، ولذلك شرط على هؤلاء ولم يشرط على الأولين . والأذى يشمل المن وغيره ، ونص على المن وقدم لكثرة وقوعه من المتصدّق ، فمن المن أن يقول : قد أحسنت إليه ونعشتك ، وشبهه . أو يتحدث