أبي حيان الأندلسي

177

تفسير البحر المحيط

وإيثار ذلك ، بين حكماً عظيماً من أحكام النكاح ، وهو حكم النكاح في زمان الحيض . والمحيض ، كما قررناه ، هو مفعل ، هو مفعل من الحيض يصلح من حيث اللغة للمصدر والزمان والمكان ، فأكثر المفسرين من الأدباء زعموا أن المراد به المصدر ، وكأنه قيل : عن الحيض ، وبه فسره الزمخشري ؛ وبه بدأ ابن عطية قال : المحيض مصدر كالمحيض ، ومثله المقيل من قال يقيل . قال الراعي : * بنيت مرافقهنّ فوق مزلة * لا يستطيع بها القراد مقيلا * وقال الطبري : المحيض اسم الحيض ، ومثله قول رؤبة في العيش : * إليك أشكو شدّة المعيش * ومرّ أعوام نتفن ريشي * انتهى كلامه . ويظهر منه أنه فرق بين قول : المحيض مصدر كالحيض ، وبين قول الطبري : المحيض اسم الحيض ، ولا فرق بينهما ؛ يقال فيه مصدر ، ويقال فيه اسم مصدر ، والمعنى واحد . والقول بأن المحيض مصدر مروي عن ابن المسيب ؛ وقال ابن عباس : هو موضع الدم ، وبه قال محمد بن الحسن ، فعلى هذا يكون المراد منه المكان . ورجح كونه مكان الدم بقوله : * ( فَاعْتَزِلُواْ النّسَاء فِي الْمَحِيضِ ) * فلو أريد به المصدر لكان الظاهر منع الاستمتاع بها فيما فوق السرة ودون الركبة غير ثابت ، لزم القول بتطرق النسخ ، أو التخصيص ، وذلك خلاف الأصل ، فإذا حمل على موضع الحيض كان المعنى : فاعتزلوا النساء في موضع الحيض . قالوا واستعماله في الموضع أكثر وأشهر منه في المصدر انتهى . ويمكن أن يرجح المصدر بقوله : * ( قُلْ هُوَ أَذًى ) * . ومكان الدم نفسه ليس بأذىً لأن الأذى كيفية مخصوصة وهو عرض ، والمكان جسم ، والجسم لا يكون عرضاً . وأجيب عن هذا بأنه يكون على حذف إذا أريد المكان ، أي : ذو أذى . والخطاب في : ويسألونك ، وفي : قل للنبي صلى الله عليه وسلم ) ، والضمير في : هو ، عائد على المحيض ، والمعنى : أنه يحصل نفرة للإنسان واستقذار بسببه . * ( فَاعْتَزِلُواْ النّسَاء فِي الْمَحِيضِ ) * تقدّم الخلاف في المحيض أهو موضع الدم أم الحيض ؟ ويحتمل أن يحمل الأول على المصدر ، والثاني على المكان ، وإن حملنا الثاني على المصدر فلا بد من حذف مضاف ، أي : فاعتزلوا وطء النساء في زمان الحيض . واختلف في هذا الاعتزال ، فذهب ابن عباس ، وشريح ، وابن جبير ، ومالك ، وأبو حنيفة ، وأبو يوسف ، وجماعة من أهل العلم إلى أنه يجب اعتزال ما اشتمل عليه الإزار ، ويعضده ما صح أنها : تشد عليها إزارها ثم شأنه بأعلاها . وذهبت عائشة ، والشعبي ، وعكرمة ، ومجاهد ، والثوري ، ومحمد بن الحسن ، وداود إلى أنه لا يجب إلاَّ اعتزال الفرج فقط ، وهو الصحيح من قول الشافعي . وروي عن ابن عباس وعبيدة السلماني أنه يجب اعتزال الرجل فراش زوجته إذا حاضت ، أخذ بظاهر الآية ، وهو قول شاذ . ولما كان الحيض معروفاً في اللغة لم يحتج إلى تفسير ولم تتعرض الآية لأقلة ولا لأكثرة ، بل دلت على وجوب اعتزال النساء في المحيض ، وأقله عند مالك لا حدّ له ، بل الدفعة من الدم عنده حيض ، والصفرة والكدرة حيض