أبي حيان الأندلسي
166
تفسير البحر المحيط
الهواء . الاعتزال : ضد الاجتماع ، وهو التيأس من الشيء والتباعد منه ، وتارة يكون بالبدن ، وتارة بالقلب ، وهو افتعال من العزل ، وهو تنجية الشيء من الشيء . أنَّى : اسم ويستعمل شرطاً ظرف مكان ، ويأتي ظرف زمان بمعنى : متى واستفهاماً بمعنى : كيف ، وهي مبنية لتضمن معنى حرف الشرط ، وحرف الاستفهام ، وهو في موضع نصب لا يتصرف فيه بغير ذلك البتة . * ( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ * الْخَمْرِ ) * سبب نزولها سؤال عمر ومعاذ ، قالا : يا رسول الله ، أفتنا في الخمر والميسر ، فإنه مذهبة للعقل ، مسلبة للمال . فنزلت . ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنهم لما سألوا عن ماذا ينفقون ؟ فبين لهم مصرف ذلك في الوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل ، ثم ذكر تعالى فرض القتال والجهاد في سبيل الله ، ناسب ذكر سؤالهم عن الخمر والميسر ، إذ هما أيضاً من مصارف المال ، ومع مداومتهما قل أن يبقى مال فتتصدق به ، أو تجاهد به ، فلذلك وقع السؤال عنهما . وقال بعض من ألف في الناسخ والمنسوخ : أكثر العلماء على أنها ناسخة لما كان مباحاً من شرب الخمر ، وسورة الأنعام مكية ، فلا يعتبر بما فيها من قوله : * ( الظَّالِمِينَ قُل لا أَجِدُ ) * وقال ابن جبير : لما نزل * ( قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ) * كره الخمر قوم للإثم ، وشربتها قوم للمنافع ، حتى نزل : * ( لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلَواةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى ) * فاجتنبوها في أوقات الصلاة ، حتى نزل : * ( فَاجْتَنِبُوهُ ) * فحرمت . قال مكي : فهذا يدل على أن هذه منسوخة بآية المائدة ، ولا شك في أن نزول المائدة بعد البقرة ، وقال قتادة : ذم الله الخمر بهذه الآية ولم يحرمها ، وقال بعض الناس : لا يقال إن هذه الآية ناسخة لما كان مباحاً من شرب الخمر ، لأنه يلزم منه أن الله أنزل إباحتها ، ثم نسخ ، ولم يكن ذلك ، وإنما كان مسكوتاً عن شربها ، فكانوا جارين في شربها على عادتهم ، ثم نزل التحريم . كما سكت عنهم في غيرها من المحرمات إلى وقت التحريم . وجاء : * ( وَيَسْئَلُونَكَ ) * بواو الجمع وإن كان من سأل اثنين : وهمنا عمرو ومعاذ ، على ما روي في سبب النزول ، لأن العرب تنسب الفعل الصادر من الواحد إلى الجماعة في كلامها ، وقد تبين ذلك . والسؤال هنا ليس عن الذات ، وإنما هو عن حكم هذين من حل وحرمة وانتفاع ، ولذلك جاء الجواب مناسباً لذلك ، لا جواباً عن ذات . وتقدم تفسير الخمر في اللغة ، وأما في الشريعة ، فقال الجمهور : كل ما خامر العقل وأفسده مما يشرب يسمى خمراً ، وقال الرازي ، عن أبي حنيفة : الخمر اسم ما يتخذ من العنب خاصة ، ونقل عنه السمرقندي : أن الخمر عنده هو اسم ما اتخذ من العنب والزبيب والتمر ، وقال : إن المتخذ من الذرة والحنطة ليس من الأشربة ، وإنما هو من الأغذية المشوّشة للعقل : كالبنج والسيكران ، وقيل : الصحيح ، عن أبي حنيفة ، أن القطرة من هذه الأشربة من الخمر . وتقدم تفسير الميسر وهو : قمار أهل الجاهلية ، وأما في الشريعة فاسم الميسر يطلق على سائر ضروب القمار ، والإجماع منعقد على تحريمه ، قال علي ، وابن عباس ، وعطاء وابن سيرين ، والحسن ، وابن المسيب ، وقتادة ، وطاووس ، ومجاهد ، ومعاوية بن صالح : كل شيء فيه قمار من نرد وشطرنج وغيره فهو ميسر ، حتى لعب الصبيان بالكعاب والجوز إلا ما أبيح من الرهان في الخيل ، والفرعة في إبراز الحقوق . وقال مالك : الميسر ميسران : ميسر اللهو فمنه : النرد والشطرنج والملاهي كلها ، وميسر القمار : وهو ما يتخاطر الناس عليه ، وقال على الشطرنك : ميسر العجم ، وقال القاسم ، كل شيء ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر . * ( قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ) * . أنزل في الخمر أربع آيات . * ( وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالاْعْنَابِ ) * بمكة ثم هذه الآية ، ثم * ( لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلَواةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى ) * ثم * ( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ) * قال القفال : ووقع التحريم على هذا الترتيب ، لأنه تعالى علم أن القوم كانوا ألفوا شربها والانتفاع بها كثيراً ، فجاء