أبي حيان الأندلسي

136

تفسير البحر المحيط

أو ضعيفاً ، فأي داعية إلى جواز ذلك في القرآن مع إمكان حمله على غير ذلك ؟ ورجحانه . وهو أن تكون في موضع نصب على ما قررناه . وكم ، هنا استفهامية ومعناها التقرير لا حقيقة الاستفهام ، وقد يخرج الاستفهام عن حقيقته إذا تقدّمه ما يخرجه ، نحو قولك : سواء عليك أقام زيد أم قعد ، و : ما أبالي أقام زيد أم قعد ، وقد عملت أزيد منطلق أو عمرو وما أدري أقريب أم بعيد ، فكل هذا صورته صورة الاستفهام ، وهو على التركيب الإستفهامي وأحكامه ، وليس على حقيقة الاستفهام . وهذه الجملة من قوله : * ( كَمْ آتَيْنَاهُم ) * في موضع المفعول الثاني : لسل ، لأن سأل يتعدى لاثنين ؛ أحدهما : بنفسه ، والآخر : بحرف جر ، إما عن ، وإما الباء . وقد جمع بينهما في الضرورة نحو . فأصبحن لا يسألنه عن بما به و : سأل ، هنا معلقة عن الجملة الاستفهامية ، فهي عاملة في المعنى ، غير عاملة في اللفظ ، لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله إلاَّ الجار ، قالوا : وإنما علقت : سل ، وإن لم تكن من أفعال القلوب ، لأن السؤال سبب للعلم ، فأجرى السبب مجرى المسبب في ذلك ، وقال تعالى : * ( سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذالِكَ زَعِيمٌ ) * وقال الشاعر . سائل بني أسد ما هذه الصوت وقال : واسأل بمصقلة البكري ما فعلا وأجاز الزمخشري أن تكون : كم ، هنا خبرية ، قال : فإن قلت : كم استفهامية أم خبرية ؟ قلت : يحتمل الأمرين ، ومعنى الاستفهام فيها التقدير . انتهى كلامه . وهو ليس بجيد ، لأن جعلها خبرية هو اقتطاع للجملة التي هي فيها من جملة السؤال ، لأنه يصير المعنى : سل بني إسرائيل ، وما ذكر المسؤول عنه ، ثم قال : كثيراً من الآيات آتيناهم ، فيصير هذا الكلام مفلتاً مما قبله ، لأنه جملة : كم آتيناهم ، صار خبراً صرفاً لا يتعلق به : سل ، وأنت ترى معنى الكلام ، ومصب السؤال على هذه الجملة ، فهذا لا يكون إلاَّ في الإستفهامية ، ويحتاج في تقرير الخبرية إلى تقدير حذف ، وهو المفعول الثاني : لسل ، ويكون المعنى : سل بني إسرائيل عن الآيات التي آتيناهم ، ثم أخبر تعالى أن كثيراً من الآيات آتيناهم . * ( مّنْ ءايَةٍ ) * تمييز ل : كَمْ ، ويجوز دخول : من ، على تمييز الإستفهامية والخبرية ، سواء وليها أم فصل بينهما ، والفصل بينهما بجملة ، وبظرف ، ومجرور ، جائز على ما قررنا في النحو ، وأجاز ابن عطية أن يكون : من آية ، مفعولاً ثانياً : لآيتناهم ، وذلك على التقدير الذي قدّره قبل من جواز نصب : كم ، بفعل محذوف يفسره : آتيناهم ، وعلى التقدير الذي قررناه من أن : كم ، تكون كناية عن قوم أو جماعة ، وحذف تمييزها لفهم المعنى ، فإذا كان كذلك ، فإن كانت : كم ، خبرية فلا يجوز أن تكون : من آية ، مفعولاً ثانياً ، لأن زيادة : من ، لا تكون في الإيجاب على مذهب البصريين غير الأخفش ، وإن كانت استفهامية فيمكن أن يقال : يجوز ذلك فيه لانسحاب الاستفهام على ما قبله ، وفيه بعد ، لأن متعلق الاستفهام هو المفعول الأول لا الثاني ، فلو قلت : كم من درهم أعطيته من رجل ، على زيادة : من ، في قولك : من رجل ، لكان فيه نظر ، وقد أمعنا الكلام على زيادة : من ، في ( منهج السالك ) من تأليفنا . و : الآيات البينات ما تضمنته التوراة والإنجيل من صفة النبي صلى الله عليه وسلم ) ، وتحقيق نبوته ، وتصديق ما جاء به ، أو معجزات موسى صلى الله على نبينا وعليه : كالعصا ، واليد البيضاء ، وفلق البحر ، أو : القرآن قصّ الله قصص الأمم الخالية