أبي حيان الأندلسي
132
تفسير البحر المحيط
المفتوحة الفاء ، فلا تحذف عين الاسم حذفاً ، إذ هي فارقة بينه وبين الصفة ، فهي منوية لا محالة . انتهى كلامه . واتضح من هذا أنه في الصفة لا ينقل ، فإذا جمعنا : حلوة وضحكة ، المراد به صفة المؤنث ، فلا تقول : حلوات ، ولا ضحكات ، بضم عين الكلمة ، وعلى هذا قياس : فعلة ، الصفة نحو : جلفة ، لا يقال فيه جلفات . * ( فَإِن زَلَلْتُمْ مّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ الْبَيّنَاتُ ) * أي : عصيتم أو كفرتم ، أو أخطأتم ، أو ضللتم ، أقوال ثانيها عن ابن عباس وهو الظاهر لقوله : ادخلوا في السلم ، أي الإسلام ، فإن زللتم عن الدخول فيه ، وأصل الزلل للقدم ، يقال : زلت قدمه ، كما قال . ولا شامت إن نعل عزة زلت ثم يستعمل في الرأي والاعتقاد ، وهو الزلق ، وقد تقدم شيء من تفسير في قوله : * ( فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا ) * . وقرأ أبو السماك : فإن زللتم ، بكسر اللام ، وهما لغتان : كضللت وضللت . والبينات : حجج الله ودلائله ، أو محمد صلى الله عليه وسلم ) ، كما قال : * ( حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيّنَةُ * رَسُولٌ مّنَ اللَّهِ ) * وجمع تعظيماً له ، لأن وإن كان واحداً بالشخص ، فهو كثير بالمعنى : أو القرآن قاله ابن جريج ، أو التوراة والإنجيل قال : * ( وَلَقَدْ جَاءكُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ) * وقال * ( وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا ) * وهذا يتخرج على قول من قال : إن المخاطب أهل الكتاب ، أو الإسلام ، أو ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ) من المعجزات ، أقوال ستة . وفي ( المتخب ) البينات : تتناول جميع الدلائل العقلية والسمعية من حيث إن عذر المكلف لا يزول إلاَّ عند حصول البينات ، لا حصول التبيين من التكليف . انتهى كلامه . والدلائل العقلية لا يخبر عنها بالمجيء لأنها مركوزة في العقول ، فلا ينسب إليها المجيء إلاَّ مجازاً ، وفيه بُعد . * ( فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) * أي : دوموا على العلم ، إن كان الخطاب للمؤمين ، وإن كان للكافرين أو المنافقين فهو أمر لهم بتحصيل العلم بالنظر الصحيح المؤدي إليه ، وفي وصفه هنا بالعزة التي هي تتضمن الغلبة والقدرة اللتين يحصل بهما الانتقام ، وعيد شديد لمن خالفه وزل عن منهج الحق ، وفي وصفه بالحكمة دلالة على إتقان أفعاله : وأن ما يرتبه من الزاوجر لمن خالف هو من مقتضى الحكمة ، وروي أن قارئاً قرأ ، غفور رحيم ، فسمعه أعرابي فأنكره ، ولم يكن يقرأ القرآن ، وقال : إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا ، الحكيم ، لا يذكر الغفران عند الزلل ، لأنه إغراء عليه ، وقد روي عن كعب نحو هذا ، وأن الذي كان يتعلم منه أقرأه : فاعلموا أن الله غفور رحيم ، فأنكره حتى سمع : * ( عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) * فقال : هكذا ينبغي . * ( هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ ) * ؟ هل : هنا للنفي ، المعنى : ما ينظرون ، ولذلك دخلت إلاَّ ، وكونها بمعنى النفي إذ جاء بعدها : إلاَّ ، كثير الاستعمال في القرآن ، وفي كلام العرب ، قال تعالى : * ( وَهَلْ * نُجْزِى إِلاَّ الْكَفُورَ ) * * ( فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ * الظَّالِمُونَ ) * وقال الشاعر : * وهل أنا إلاَّ من غزية إن غوت * غويت ، وإن ترشد غزية أرشد * و : ينظرون ، هنا معناه : ينتظرون ، تقول العرب : نظرت فلاناً انتظره ، وهو لا يتعدى لواحد بنفسه إلاَّ بحرف جر . قال امرؤ القيس :