أبي حيان الأندلسي

395

تفسير البحر المحيط

جعل فيها قابلية الإنبات نسب الإنبات إليها . * ( مِن بَقْلِهَا ) * : هذا بدل من قوله : * ( مِمَّا تُنبِتُ الارْضُ ) * ، على إعادة حرف الجرّ ، وهو فصيح في الكلام ، أعني أن يعاد حرف الجرّ في البدل . فمن على هذا التقدير تبعيضية ، كهي في مما تنبت ، ويتعلق بيخرج ، إمّا الأولى ، وإمّا أخرى مقدّرة على الخلاف الذي في العامل في البدل ، هل هو العامل الأول ، أو ذلك على تكرار العامل ؟ والمشهور هذا الثاني ، وأجاز المهدويّ أيضاً ، وابن عطية ، وأبو البقاء أن تكون من في قوله : * ( مِن بَقْلِهَا ) * لبيان الجنس ، وعبر عنها المهدويّ بأنها للتخصيص ، ثم اختلفوا ، فقال أبو البقاء : موضعها نصب على الحال من الضمير المحذوف تقديره : مما تنبته الأرض كائناً من بقلها ، وقدّم ذكر هذا الوجه قال : ويجوز أن تكون بدلاً من ما الأولى بإعادة حرف الجر . وأما المهدوي ، وابن عطية فزعما مع قولهما : إن من في * ( مِن بَقْلِهَا ) * بدل من قوله : مما تنبت ، وذلك لأن من في قوله * ( مِمَّا تُنبِتُ ) * للتبعيض ، ومن في قوله * ( مِن بَقْلِهَا ) * على زعمهما لبيان الجنس . فقد اختلف مدلول الحرفين ، واختلاف ذلك كاختلاف الحرفين ، فلا يجوز البدل إلا أن ذهب ذاهب إلى أن من في قوله : * ( مِمَّا تُنبِتُ الارْضُ ) * لبيان الجنس ، فيمكن أن يفرّع القول بالبدل على كونها لبيان الجنس . والمختار ما قدّمناه من كون من في الموضعين للتبعيض ، وأمّا أن تكون لبيان الجنس ، فقد أباه أصحابنا وتأوّلوا ما استدلّ به مثبت ذلك ، والمراد بالبقل هنا : أطايب البقول التي يأكلها الناس ، كالنعناع ، والكرفس ، والكرّاث ، وأشباهها ، قاله الزمخشري . وقرأ يحيى بن وثاب وطلحة بن مصرف وغيرهما : وقثائها بضم القاف ، وقد تقدّم أنها لغة . * ( وَفُومِهَا ) * : تقدّم الكلام فيه ، وللمفسرين فيه أقاويل ستة : أحدها : أنه الثوم ، وبينته قراءة ابن مسعود : وثومها بالثاء ، وهو المناسب للبقل والعدس والبصل . الثاني : قاله ابن عباس والحسن وقتادة والسدّي : أنه الحنطة . الثالث : أنه الحبوب كلها . الرابع : أنه الخبز ، قاله مجاهد وابن عطاء وابن زيد . الخامس : أنه الحمص . السادس : أنه السنبلة . * ( وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ) * : وأحوال هذه الخمسة التي ذكروها مختلفة ، فذكروا ، أولاً : ما هو جامع للحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ، إذ البقل منه ما هو بارد رطب كالهندبا ، ومنه ما هو حار يابس كالكرفس والسداب ، ومنه ما هو حار وفيه رطوبة عرضية كالنعناع . وثانياً القثاء ، وهو بارد رطب . وثالثاً : الثوم ، وهو حار يابس . ورابعاً : العدس ، وهو بارد يابس . وخامساً : البصل ، وهو حار رطب ، وإذا طبخ صار بارداً رطباً ، فعلى هذا جاء ترتيب ذكر هذه الخمسة . * ( قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ) * : الضمير في قال ظاهر عوده على موسى ، ويحتمل عوده على الرب تعالى ، ويؤيده * ( اهْبِطُواْ مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ) * ، والهمزة في * ( أَتَسْتَبْدِلُونَ ) * للإنكار ، والاستبدال : الاعتياض . وقرأ أبيّ : أتبدّلون ، وهو مجاز لأن التبديل ليس لهم إنما ذلك إلى الله تعالى ، لكنهم لما كانوا يحصل التبديل بسؤالهم جعلوا مبدّلين ، وكان المعنى : أتسألون تبديل . * ( الَّذِى هُوَ أَدْنَى بِالَّذِى هُوَ خَيْرٌ ) * ، والذي : مفعول أتستبدلون ، وهو الحاصل ، والذي دخلت عليه الباء هو الزائل ، كما قررناه في غير مكان . هو أدنى : صلة للذي ، وهو هنا واجب الإثبات على مذهب البصريين ، إذ لا طول في الصلة ، وأدنى : خبر عن هو ، وهو : أفعل التفضيل ، ومن وما دخلت عليه حذفاً للعلم ، وحسن حذفهما كون أفعل التفضيل خبراً ، فإن وقع غير خبر مثل كونه حالاً أو صفة قل الحذف وتقديره : أدنى من ذلك الطعام الواحد ، وحسن حذفهما أيضاً كون المفضل عليه مذكوراً بعد ذلك ، وهو قوله : * ( بِالَّذِى هُوَ خَيْرٌ ) * ، وأفرد : * ( الَّذِى هُوَ أَدْنَى ) * لأنه أحال به على المأكول الذي هو * ( مِمَّا تُنبِتُ الارْضُ ) * ، وعلى ما من قوله : * ( مِمَّا تُنبِتُ ) * ،