أبي حيان الأندلسي

384

تفسير البحر المحيط

ثبت في البخاري ومسلم أنهم دخلوا الباب يزحفون على أستاههم . فاضمحلت هذه التفاسير ، ووجب المصير إلى تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . وقوله : * ( وَقُولُواْ حِطَّةٌ ) * ، حطة : مفر ، ومحكي القول لا بد أن يكون جملة ، فاحتيج إلى تقدير مصحح للجملة ، فقدر مسألتنا حطة هذا تقدير الحسن بن أبي الحسن . وقال الطبري : التقدير دخولنا الباب كما أمرنا حطة ، وقال غيرهما : التقدير أمرك حطة . وقيل : التقدير أمرنا حطة ، أي أن نحط في هذه القرية ونستقر فيه . قال الزمخشري : والأصل النصب بمعنى حط عنا ذنوبنا حطة ، وإنما رفعت لتعطي معنى الثبات كقوله : صبر جميل فكلانا مبتلى والأصل صبراً . انتهى كلامه ، وهو حسن . ويؤكد هذا التخريج قراءة إبراهيم بن أبي عبلة : حطة بالنصب ، كما روي : صبراً جميلاً فكلانا مبتلي بالنصب . والأظهر من التقادير السابقة في إضمار المبتدأ القول الأول ، لأن المناسب في تعليق الغفران عليه هو سؤال حط الذنوب لا شيء من تلك التقادير الأخر ، ونظير هذا الإضمار قول الشاعر : * إذا ذقت فاهاً قلت طعم مدامة * معتقة مما تجيء به التجر * روي برفع طعم على تقدير : هذا طعم مدامة ، وبالنصب على تقدير : ذقت طعم مدامة . قال الزمخشري : فإن قلت : هل يجوز أن ينصب حطة في قراءة من نصبها يقولوا على معنى قولوا هذه الكلمة ؟ قلت : لا يبعد ، انتهى . وما جوزه ليس بجائز لأن القول لا يعمل في المفردات ، إنما يدخل على الجمل للحكاية ، فيكون في موضع المفعول به ، إلا إن كان المفرد مصدراً نحو : قلت قولاً ، أو صفة لمصدر نحو : قلت حقاً ، أو معبراً به عن جملة نحو : قلت شعراً وقلت خطبة ، على أن هذا القسم يحتمل أن يعود إلى المصدر ، لأن الشعر والخطبة نوعان من القول ، فصار كالقهقري من الرجوع ، وحطة ليس واحداً من هذه . ولأنك إذا جعلت حطة منصوبة بلفظ قولوا ، كان ذلك من الإسناد اللفظي وعري من الإسناد المعنوي ، والأصل هو الإسناد المعنوي . وإذا كان من الإسناد اللفظي لم يترتب على النطق به فائدة أصلاً إلا مجرد الامتثال للأمر بالنطق بلفظ ، فلا فرق بينه وبين الألفاظ الغفل التي لم توضع لدلالة على معنى . ويبعد أن يرتب الغفران للخطايا على النطق بمجرد لفظ مفرد لم يدل به على معنى كلام . أما ما ذهب إليه أبو عبيدة من أن قوله حطة مفرد ، وأنه مرفوع على الحكاية وليس مقتطعاً من جملة ، بل أمروا بقولها هكذا مرفوعة ، فبعيد عن الصواب لأنه يبقى حطة مرفوعاً بغير رافع ، ولأن القول إنما وضع في باب الحكاية ليحكى به الجمل لا المفردات ، ولذلك احتاج النحويون في قوله تعالى : * ( يُقَالُ لَهُ إِبْراهِيمُ ) * إلى تأويل ، وأما تشبيهه إياه بقوله : سمعت الناس ينتجعون غيثاً * وجدنا في كتاب بني تميم * أحق الخيل بالركض المعار *