أبي حيان الأندلسي

373

تفسير البحر المحيط

إنعاماً سادساً ، وذكر في كونه إنعاماً وجوهاً : منها ما يتعلق بغير بني إسرائيل ، ومنها ما يتعلق بهم ، والمقصود ذكر ما يتعلق بكون ذلك إنعاماً ، وهو أن إحياءهم لأن يتوبوا عن التعنت ، ولأن يتخلصوا من أليم العقاب ويفوزوا بجزيل الثواب من أعظم النعم ، ولا تدل هذه الآية على أن قولهم هذا بعد أن كلف عبدة العجل بالقتل ولا قبله . وقد قيل بكل من القولين ، لأن هذه الجمل معطوفة بالواو ، والواو لا تدل بوضعها على الترتيب الزماني . قال بعضهم : لما أحلهم الله محل مناجاته ، وأسمعهم لذيذ خطابه ، اشرأبّت نفوسهم للفخر وعلوّ المنزلة ، فعاملهم الله بنقيض ما حصل في أنفسهم بالصعقة التي هي خضوع وتذلل تأديباً لهم وعبرة لغيرهم ، * ( إِنَّ فِى ذالِكَ لَعِبْرَةً لاِوْلِى الاْبْصَارِ ) * . * ( ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ ) * : معطوف على قوله : * ( فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ ) * ، ودل العطف بثم على أن بين أخذ الصاعقة والبعث زماناً تتصوّر فيه المهلة والتأخير ، هو زمان ما نشأ عن الصاعقة من الموت ، أو الغشي على الخلاف الذي مرّ . والبعث هنا : الإحياء ، ذكر أنهم لما ماتوا لم يزل موسى يناشد ربه في إحيائهم ويقول : يا رب إن بني إسرائيل يقولون قتلت خيارنا حتى أحياهم الله جميعاً رجلاً بعد رجل ، ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون . وقيل : معنى البعث الإرسال ، أي أرسلناكم . روي أنه لما أحياهم الله سألوا أن يبعثهم أنبياء فبعثهم أنبياء . وقيل : معنى البعث : الإفاقة من الغشية ، ويتخرّج على قول من قال إنهم صعقوا ولم يموتوا . وقيل : البعث هنا : القيام بسرعة من مصارعهم ، ومنه قالوا : * ( قَالُواْ ياوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ) * ؟ وقيل معنى البعث هنا ، التعليم ، أي ثم علمناكم من بعد جهلكم ، والموت هنا ظاهرة مفارقة الروح الجسد ، وهذا هو الحقيقة ، وكان إحياؤهم لأجل استيفاء أعمارهم . ومن قال : كان ذلك غشياً وهموداً كان الموت مجازاً ، قال تعالى : * ( وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيّتٍ ) * ، والذي أتاه مقدّماته سميت موتاً على سبيل المجاز ، قال الشاعر : * وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا * قولاً يبرئكم إني أنا الموت * جعل نفسه الموت لما كان سبباً للموت ، وكذلك إذا حمل الموت على الجهل كان مجازاً ، وقد كنى عن العلم بالحياة ، وعن الجهل بالموت . قال تعالى : * ( أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ ) * ، وقال الشافعي ، رحمه الله : إنما النفس كالزجاجة والعلم سراج وحكمة الله زيت * فإذا أبصرت فإنك حي * وإذا أظلمت فإنك ميت * وقال ابن السيد : * أخو العلم حي خالد بعد موته * وأوصاله تحت التراب رميموذو الجهل ميت وهو ماش على الثرى يظنّ من الأحياء وهو عديم * ولا يدخل موسى على نبينا وعليه السلام في خطاب ثم * ( بَعَثْنَاكُم ) * ، لأنه خطاب مشافهة للذين قالوا : * ( لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ) * ، ولقوله : * ( فَلَمَّا أَفَاقَ ) * ، ولا يستعمل هذا في الموت . وأخطأ ابن قتيبة في زعمه أن موسى قد مات * ( لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) * : وفي متعلق الشكر أقوال ينبني أكثرها على المراد بالبعث والموت . فمن زعم أنهما حقيقة قال : المعنى لعلكم تشكرون نعمته بالإحياء بعد الموت ، أو على هذه النعمة وسائر نعمه التي أسداها إليهم ، ومن جعل ذلك مجازاً عن إرسالهم أنبياء ، أو إثارتهم من الغشي ، أو تعليمهم بعد الجهل ، جعل متعلق الشكر أحد هذه المجازات . وقد أبعد من جعل متعلق الشكر إنزال التوراة التي فيها ذكر توبته عليهم وتفصيل شرائعه ، بعد أن لم يكن شرائع . وقيل : المعنى لعلكم تشكرون نعمة الله بعدما كفرتموها إذا رأيتم بأس الله في رميكم بالصاعقة وإذاقتكم الموت . وقال في المنتخب : إنما بعثهم بعد الموت في دار الدنيا ليكلفهم وليتمكنوا من الإيمان ومن تلافي ما صدر عنهم من الجرائم . أمّا أنه كلفهم ، فلقوله : * ( لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) * . ولفظ الشكر