أبي حيان الأندلسي

346

تفسير البحر المحيط

* كأن بين فكها والفك * فأرة مسك ذبحت في سك * وقال : كأنما الصاب في عينيك مذبوح والذبحة : داء في الحلق ، يقال منه : ذبحه يذبحه ذبحاً ، والذبح : المذبوح . الاستحياء : هنا الإبقاء حياً ، واستفعل فيه بمعنى أفعل : استحياه وأحياه بمعنى واحد ، نحو قولهم : أبل واستبل ، أو طلب الحياء ، وهو الفرج ، فيكون استفعل هنا للطلب ، نحو : استغفر ، أي تطلب الغفران . وقد تقدم الكلام على استحيا من الحياء في قوله : * ( إِنَّ اللَّهَ لاَ * يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً ) * النساء : اسم يقع للصغار والكبار ، وهو جمع تكسير لنسوة ، ونسوة على وزن فعلة ، وهو جمع قلة ، خلافاً لابن السرّاج ، إذ زعم أن فعلة اسم جمع لا جمع تكسير ، وعلى القولين لم يلفظ له بواحد من لفظه . والواحدة : امرأة . البلاء : الاختبار ، بلاه يبلوه بلاء : اختبره ، ثم صار يطلق على المكروه والشدة ، يقال : أصاب فلاناً بلاء : أي شدة ، وهو راجع لمعنى البلى ، كأن المبتلى يؤول حاله إلى البلى ، وهو الهلاك والفناء . ويقال : أبلاه بالنعمة ، وبلاه بالشدة . وقد يدخل أحدهما على الآخر فيقال : بلاه بالخير ، وأبلاه بالشر ، قال الشاعر : * جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم * فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو * فاستعملهما بمعنى واحد ، ويبنى منه افتعل فيقال : ابتلى . * ( خَالِدُونَ يَابَنِى إِسْراءيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ) * : تقدم الكلام في شرح هذا ، وأعيد نداؤهم ثانياً على طريق التوكيد ، ولينبهوا لسماع ما يرد عليهم من تعداد النعم التي أنعم الله بها عليهم ، وتفصيلها نعمة نعمة ، فالنداء الأول للتنبيه على طاعة المنعم ، والنداء الثاني للتنبيه على شكر النعم . * ( وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ ) * : ثم عطف التفضيل على النعمة ، وهو من عطف الخاص على العام لأن النعمة اندرج تحتها التفضيل المذكور ، وهو ما انفردت به الواو دون سائر حروف العطف ، وكان أستاذنا العلامة أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي يذكر لنا هذا النحو من العطف ، وأنه يسمى بالتجريد ، كأنه جرد من الجملة وأفرد بالذكر على سبيل التفضيل ، وقال الشاعر : * أكر عليهم دعلجاً ولبانه * إذا ما اشتكى وقع القناة تحمحما * دعلج : هنا اسم فرس ، ولبانه : صدره ، ولأبي الفتح بن جني كلام في ذلك يكشف من سر الصناعة له . * ( عَلَى الْعَالَمِينَ ) * : أي عالمي زمانهم ، قاله الحسن ومجاهد وقتادة وابن جريج وابن زيد وغيرهم ، أو على كل العالمين ، بما جعل فيهم من الأنبياء ، وجعلهم ملوكاً وآتاهم ما لم يؤت أحداً من العالمين ، وذلك خاصة لهم دون غيرهم . فيكون عاماً والنعمة مخصوصة . قالوا : ويدفع هذا القول : * ( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ) * ، أو على الجم الغفير من الناس ، يقال : رأيت عالماً من الناس ، يراد به الكثرة . وعلى كل قول من هذه الأقوال الثلاثة لا يلزم منه التفضيل على هذه الأمة ، لأن من قال بالعموم خص النعمة ، ولا يلزم التفضيل على كل عالم بشيء خاص التفضيل من جميع الوجوه ، ومن قال بالخصوص فوجه عدم التفضيل مطلقاً ظاهر . وقال القشيري : أشهد بني إسرائيل فضل أنفسهم فقال : * ( وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ) * ،