العيني

94

عمدة القاري

الواو ، أما عدم جواز إظهار الفعل فللقرينة الدالة عليه ولطول الكلام ، وقيل : لأن مثل هذا يقال عند تشديد الخوف ، وأما عدم جواز حذف الواو لأنها حرف عطف ، فيختل الكلام بحذفه ، والكرائم جمع : كريمة وهي النفيسة . قوله : ( واتق دعوة المظلوم ) أي : تجنب الظلم لئلا يدعو عليك المظلوم ، وقيل : هو تذييل لاشتماله على الظلم الخاص وهو أخذ الكرائم وعلى غيره . قوله : ( فإنه ) أي : فإن الشان ، وهو تعليل للاتقاء ، وتمثيل للدعوة كمن يقصد إلى السلطان متظلما فيم يحجب عنه . ذكر ما يستفاد منه فيه : عظة الإمام وتخويفه من الظلم قال تعالى : * ( ألا لعنة الله على الظالمين ) * ( هود : 81 ) . ولعنة الله إبعاده من رحمته ، والظلم محرم في كل شريعة ، وقد جاء : ( إن دعوة المظلوم لا ترد وإن كانت من كافر ) . وروى أحمد في ( مسنده ) ، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا : ( دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجرا ، ففجوره على نفسه ) . ومعنى ذلك أن الرب سبحانه وتعالى لا يرضى ظلم الكافر كما لا يرضى ظلم المؤمن ، وأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يظلم الناس شيئا ، فدخل في عموم هذا اللفظ جميع الناس من مؤمن وكافر ، وحذر معاذا ، رضي الله تعالى عنه ، من الظلم مع علمه وفضله وورعه ، وأنه من أهل بدر وقد شهد له بالجنة ، غير أنه لا يأمن أحدا ، بل يشعر نفسه بالخوف ، وفوائده كثيرة ذكرناها في حديث معاذ ، رضي الله تعالى عنه ، في أول الزكاة . 46 ( ( بابُ صَلاَةِ الإمامِ وَدُعَائِهِ لِصَاحِبِ الصَّدَقَةِ وقَوْلِهِ * ( خُذْ مِنْ أمْوَالِهِم صَدَقَةً تُطَهِّرُهُم وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ) * ) ) أي : هذا باب في بيان صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة ، والمراد من الصلاة الدعاء لأن معناها اللغوي ذلك ، وإنما عطف لفظ الدعاء على الصلاة لئلا يفهم أن الدعاء بلفظ الصلاة متعين ، بل إذا دعي بلفظ يؤدي معنى الثناء والخير فإنه يكفي ، مثل أن يقول : آجرك فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت أو يقول : اللهم اغفر له وتقبل منه ، ونحو ذلك ، والدليل عليه ما رواه النسائي من حديث وائل بن حجر أنه صلى الله عليه وسلم قال في رجل بعث بناقة حسنة في الزكاة : اللهم بارك فيه وفي إبله . قيل : إنما ذكر لفظ الإمام في الترجمة ردا لشبهة أهل الردة في قولهم لأبي بكر الصديق : إنما قال الله عز وجل لرسوله : * ( وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ) * ( التوبة : 301 ) . وادعوا خصوصية ذلك بالرسول ، فأراد أن كل إمام داخل فيه ، ولهذا ذكر هذه الآية الكريمة حيث قال فيه : وقوله ، بالجر عطف على ما قبله من المجرور أعني : لفظ الصلاة والدعاء ، أمر الله تعالى رسوله أن يأخذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ، وأمره أن يصلي عليهم بقوله : * ( وصل عليهم ) * ( التوبة : 301 ) . أي : ادع لهم واستغفر لهم ، كما يأتي في حديث الباب : ( عن عبد الله ابن أبي أوفى قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى بصدقة قوم صلى عليهم ، فأتاه أبي بصدقة فقال : اللهم صلِّ على آل أبي أوفى ) . وفي حديث آخر : ( إن امرأة قالت : يا رسول الله ، صل علي وعلى زوجي ! فقال : صلى الله عليك وعلى زوجك ) . قوله : * ( إن صلاتك سكن لهم ) * ( التوبة : 301 ) . قال ابن عباس : أي سكن لهم ، وقال قتادة : وقار وقرئ : * ( إن صلواتك ) * على الجمع . قوله : * ( والله سميع عليم ) * ( التوبة : 301 ) . أي : سميع لدعائك عليم من يستحق ذلك منك ، ومن هو أهل له . وقال ابن بطال : معناه صل عليهم إذا ماتوا صلاة الجنازة لأنها في الشريعة محمولة على الصلاة أي : العبادة المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم ، أو أنه من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم ينقل أحد أنه أمر السعاة بذلك ، ولو كان واجبا لأمرهم به ولعلمهم كيفيته ، وبالقياس على استيفاء سائر الحقوق إذ لا يجب الدعاء فيه . انتهى . قلت : لم ينحصر معنى قوله تعالى : * ( وصل عليهم ) * ( التوبة : 301 ) . على ما ذكره ابن بطال من الصلاة على الجنازة ، بل جمهور المفسرين فسروا قوله : * ( وصل عليهم ) * ( التوبة : 301 ) . مثل ما ذكرنا ، وعن هذا قال الخطابي : أصل الصلاة في اللغة الدعاء إلاَّ أن الدعاء يختلف بحسب المدعو له ، فصلاته عليه السلام لأمته دعاء لهم بالمغفرة ، وصلاة الأمة له دعاء له بزيادة القربة والزلفة ، وبظاهر الآية أخذ أهل الظاهر ، وقالوا : الدعاء واجب ، وخالفهم جميع العلماء ، وقالوا : إنه مستحب لأنها تقع الموقع وإن لم يدع ، ولو كان واجبا ، لأمر السعاة به ، كما ذكرنا . 7941 حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَمْرٍ وعنْ عَبْدِ الله بنِ أبي أوْفَى قال