العيني

59

عمدة القاري

تفوتهم صحبة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قوله : * ( يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ) * ( البقرة : 372 ) . في لباسهم وحالهم ومقالهم . قوله : * ( تعرفهم بسيماهم ) * ( البقرة : 372 ) . إنما يظهر لذوي الألباب من صفاتهم كما قال تعالى : * ( سيماهم في وجوههم ) * ( الفتح : 92 ) . وقيل : الخطاب للنبي ، صلى الله عليه وسلم ، وقيل : لكل راغب في معرفة حالهم ، يقول : تعرف فقرهم بالعلامة في وجوههم من أثر الجوع والحاجة ، وفي ( تفسير النسفي ) : هم أصحاب الصفة ، وكانوا أربعمائة إنسان لم يكن لهم مساكن في المدينة ولا عشائر ، فكانوا يخرجون في كل سرية بعثها النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ثم يرجعون إلى مسجد الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، قوله : * ( وما تنفقوا من خير ) * ( البقرة : 372 ) . من أبواب القربات * ( فإن الله به عليم ) * ( البقرة : 372 ) . لا يخفى عليه شيء منه ولا من غيره ، وسيجزي عليه أوفى الجزاء وأتمه يوم القيامة أحوج ما يكونون إليه . وكَمِ الغِنى ؟ أي : مقدار الغنى الذي يمنع السؤال ؟ و : كم ، هنا استفهامية تقتضي التمييز ، والتقدير : كم الغنى ؟ أهو الذي يمنع السؤال أم غيره ؟ والغنى ، بكسر الغين وبالقصر : ضد الفقر وإن صحت الرواية بالفتح وبالمد فهو : الكفاية ، وقد تقدم في حديث ابن مسعود ( يا رسول الله ما الغنى ؟ قال : خمسون درهما ) . وقد ذكرنا في : باب الاستعفاف في المسألة ، جملة أحاديث عن جماعة من الصحابة ، رضي الله تعالى عنهم ، في هذا الباب . وقَوْلِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم : وَلاَ يَجِدُ غِنىً يُغْنِيهِ بالجر عطف على ما قبله من المجرور ، وهذا جزء من حديث رواه عن أبي هريرة ، يأتي في هذا الباب ، وفيه : ( ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ) ، والظاهر أنه إنما ذكر هذا كأنه تفسير لقوله : ( وكم الغنى ؟ ) ليكون المعنى : إن الغنى هو الذي يجد الرجل ما يغنيه ، وفسر هذا ما رواه الترمذي من حديث ابن مسعود مرفوعا : ( من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش . قيل : يا رسول الله ! وما يغنيه ؟ قال : خمسون درهما أو قيمتها من الذهب ) . والأحاديث يفسر بعضها بعضا ، وإنما لم يذكره البخاري لأنه ليس على شرطه ، لأن فيه مقالاً . لِقَوْلِهِ تَعَالى * ( لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سبِيلِ الله لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبا في الأرْضِ ) * إلَى قَولِهِ * ( فإنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ ) * ( البقرة : 372 ) . هذا تعليق لقوله : ( ولا يجد غنى يغنيه ) ، لأنه قال في الحديث : المسكين الذي لا يجد غنىً يغنيه ولا يفطن به ، فيتصدق عليه ، ولا يقوم فيسأل الناس . ووصف المسكين بثلاثة أوصاف : منها عدم قيامه للسؤال ، وذلك لا يكون إلاَّ لتعففه وحصر نفسه عن ذلك وعلل ذلك المسكين الموصوف بهذه الأوصاف الذي ذكر منها البخاري : عدم وجدان الغنى ، واكتفى به بقوله تعالى : * ( للفقراء الذين أحصروا ) * ( البقرة : 372 ) . الآية ، وكان حصرهم لأنفسهم عن السؤال للتعفف ، وعدم ضربهم في الأرض خوفا من فوات صحبة النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا عن قريب ، وأما : اللام ، التي في قوله : * ( للفقراء الذي أحصروا ) * ( البقرة : 372 ) . فلبيان مصرف الصدقة وموضعها لأنه قال قبل هذا : * ( وما تنفقوا من خير فلأنفسكم ) * ( البقرة : 272 ) . ثم بين مصرف ذلك وموضعه بقوله : * ( للفقراء ) * ( البقرة : 372 ) . إلى آخره ، وقد تصرف الكرماني هنا تصرفا عجيبا لا يقبله من له أدنى معرفة في أحوال تراكيب الكلام ، فقال : * ( للفقراء ) * ( البقرة : 372 ) . عطف على * ( لا يسألون ) * ( البقرة : 372 ) . وحرف العطف مقدر ، أو : هو حال بتقدير لفظ : قائلاً ، ثم قال : فإن قلت : في بعضها لقول الله تعالى : * ( للفقراء ) * ( البقرة : 372 ) . قلت : معناه شرط في السؤال عدم وجدان الغنى لوصف الله الفقراء بلا يستطيعون ضربا في الأرض ، إذ من استطاع ضربا فيها فهو واجد لنوع من الغنى . انتهى . قلت : كان في نسخة : وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ولا يجد غنى يغنيه للفقراء الذين . . فقال : هذا عطف على : لا يسألون ، فليت شعري أي وجه لهذا العطف ، ولا عطف هنا أصلاً ، وأي ضرورة دعت إلى ارتكابه تقدير حرف العطف الذي لا يجوز حذف حرف العطف إلاَّ في موضع الضرورة على الشذوذ ، أو في الشعر كذلك ، ولا ضرورة هنا أصلاً ! ثم لما وقف على نسخة فيها لقول الله عز وجل : * ( للفقراء ) * ( البقرة : 372 ) . سأل السؤال المذكور وأجاب بالجوابين المذكورين اللذين تمجهما الأسماع ويتركهما أهل اليراع ، وقال بعضهم : اللام في قوله : لقول الله ، لام التعليل لأنه أورد الآية تفسيرا لقوله في الترجمة ، وكم