العيني
50
عمدة القاري
والحرمان ، وكان السلف إذا سقط من أحدهم سوطه . لا يسأل من يناوله إياه . وفيه : التحريض على الأكل من عمل يده والاكتساب من المباحات . واعلم أن مدار الأحاديث في هذا الباب على كراهية المسألة ، وهي على ثلاثة أوجه : حرام ومكروه ومباح . فالحرام لمن سأل وهو غني من زكاة أو أظهر من الفقر فوق ما هو به . والمكروه لمن سأل وعنده ما يمنعه عن ذلك ولم يظهر من الفقر ما هو به ، والمباح لمن سأل بالمعروف قريبا أو صديقا . وأما السؤال عند الضرورة فواجب لإحياء النفس . وأدخله الداودي في المباح . وأما الأخذ من غير مسألة ولا إشراف نفس فلا بأس به . وفي هذا الباب أحاديث : عن عطية السعدي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما أغناك الله فلا تسأل الناس شيئا فإن اليد العليا المعطية وإن اليد السفلى هي المعطاء ) ، رواه ابن عبد البر . وعن ابن مسعود ، رضي الله تعالى عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من سأل وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح ، قيل : يا رسول الله وما يغنيه ؟ قال : خمسون درهما أو قيمتها من الذهب ) . رواه الترمذي ، قال : حديث حسن ، ورواه بقية الأربعة والحاكم ، ورواه ابن أبي الدنيا في ( كتاب القناعة ) ولفظه : ( من سأل الناس عن ظهر غنى جاء يوم القيامة وفي وجهه كدوح أو خموش ، قيل : يا رسول الله ما الغنى ؟ قال : خمسون درهما أو قيمته من الذهب ) . وعن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي ) رواه الترمذي وأبو داود ، وقال الترمذي : حديث حسن . وعن حبيش بن جنادة السلولي قال : ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وهو واقف بعرفة . . . ) الحديث ، وفيه : ( ومن سأل الناس ليثري به ماله كان خموشا في وجهه يوم القيامة ، ورضفا يأكله من جهنم ، فمن شاء فليقِلَّ ومن شاء فليكثِر ) . رواه الترمذي وانفرد به . وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، أخرجه النسائي وابن ماجة مثل حديث عبد الله بن عمرو . وعن قبيصة بن المخارق الهلالي ، قال : ( تحملت حمالة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم . . . ) الحديث ، وفيه : ( يا قبيصة : إن المسألة لا تحل إلاَّ لأحد ثلاثة : رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك ، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش . أو قال : سدادا من عيش ، ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه : لقد أصاب فلانا فاقة ، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش ، أو قال : سدادا من عيش ، فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكلها صاحبها سحتا ) . رواه مسلم وأبو داود والنسائي . وعن أنس ، رضي الله تعالى عنه : ( أن رجلاً من الأنصار . . . ) الحديث ، وفيه : ( أن المسألة لا تصلح إلاَّ لثلاثة : لذي فقر مدقع ، أو لذي غرم مقطع ، أو لذي دم موجع ) . رواه أبو داود وابن ماجة . وعن عبد الرحمن بن أبي بكر ، رضي الله تعالى عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي ) ، رواه البزار والطبراني في ( الكبير ) . وعن عمران ابن حصين ، رضي الله تعالى عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مسألة الغني شين في وجهه يوم القيامة ) ، رواه أحمد والبزار . وعن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ( من سأل مسألة وهو عنها غني كانت شيئا في وجهه يوم القيامة ) ، رواه أحمد والبزار والطبراني ، وإسناده صحيح . وعن مسعود بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يزال العبد يسأل وهو غني حتى يخلق وجهه فلا يكون له عند الله وجه ) ، رواه البزار والطبراني في الكبير . وعن جابر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من سأل وهو غني عن المسألة يحشر يوم القيامة وهي خموش في وجهه ) ، رواه الطبراني في ( الأوسط ) وعن رجلين غير مسميين أتيا النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة ، فسألا منها ، فرفع فينا البصر وخفضه فرآنا جلدين ، فقال : ( إن شئتما أعطيتكما ولا حظَّ فيها لغني ولا لقوي مكتسب ) ، ورجاله في الصحيحين . وعن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف ، فقلت ناقتي الياقوتة خير من أوقية ) . وفي رواية : ( خير من أربعين درهما ، فرجعت فلم أسأله ) . وكانت الأوقية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين درهما ، أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه . وعن سهيل بن الحنظلية قال : ( قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصين والأقرع بن حابس فسألاه فأمر لهما بما سألاه . . ) الحديث ، وفيه : ( فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار ، فقالوا : يا رسول الله ! وما يغنيه ؟ وقال النفيلي : وما الغنى الذي لا ينبغي معه المسألة ؟ قال : قدر ما يغديه ويعشيه ) . وقال النفيلي ، في موضع آخر : ( أن يكون له شبع يوم