العيني
47
عمدة القاري
الصدقة التي أمر بقبضها منه ، وذلك لأن أحد الأصناف : سبيل الله ، وهم المجاهدون ، فصرفها في الحال كصرفها في المآل . قوله : ( قد احتبس ) أي : حبس ( أدراعه ) ، جمع : درع . قوله : ( وأعبده ) ، بضم الباء الموحدة : جمع عبد ، حكاه عياض ، والمشهور : أعتده ، بضم التاء المثناء من فوق ، جمع : عتد ، بفتحتين . ووقع في رواية مسلم : أعتاده ، وهو أيضا جمع : عتد . قيل : هو ما يعده الرجل من الدواب والسلاح ، وقيل : الخيل خاصة ، يقال : فرس عتيد ، أي : صلب أو معد للركوب أو سريع الوثوب . قوله : ( وأما العباس بن عبد المطلب ) فأخبر عنه صلى الله عليه وسلم أنه عمه ، وعم الرجل صنو أبيه ، وعن الحكم بن عتيبة : أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عمر بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنه ، مصدقا ، فشكاه العباس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا ابن الخطاب ! أما علمت أن عم الرجل صنو الأب ؟ وأنا استسلفنا زكاته عام الأول ؟ ومعنى : صنو أبيه : أصله وأصل أبيه واحد ، وأصل ذلك أن طلع النخلات من عرق واحد . قوله : ( فهي عليه صدقة ) ، معناه : هي صدقة ثابتة عليه سيتصدق بها ومثلها معها ، أي : ويتصدق مثل هذه الصدقة معها كرما منه ، إ لا امتناع منه ولا بخل فيه ، وقيل : معناه فأمواله هي كالصدقة عليه لأنه استدان في مفاداة نفسه ، وعقيل ، فصار من الغارمين الذين لا تلزمهم الزكاة ، وقيل : إن القصة جرت في صدقة التطوع فلا إشكال عليه ، لكنه خلاف المشهور وما عليه الروايات . ثم إعلم أن لفظة الصدقة إنما وقعت في رواية شعيب عن أبي الزناد كما مرت . وقال البيهقي ، في رواية شعيب هذه : يبعد أن تكون محفوظة لأن العباس كان من صلبية بني هاشم ممن تحرم عليه الصدقة ، فكيف يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عليه من صدقة عامين صدقة عليه ؟ وقال المنذري : لعل ذلك قبل تحريم الصدقة على آل النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فرأى إسقاط الزكاة عنه عامين لوجه رآه النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال الخطابي : هذه لفظة لم يتابع عليها شعيب بن أبي حمزة ، ورد عليه بأن اثنين تابعا شعيبا : أحدهما : عبد الرحمن بن أبي الزناد ، كما سيأتي عن قريب ، والآخر : موسى بن عقبة ، فيما رواه النسائي عن عمران : حدثنا علي ابن عياش عن شعيب . . وساقه بلفظ البخاري ، قال : وأخبرني أحمد بن حفص حدثني أبي حدثني إبراهيم عن موسى أخبرني أبو الزناد عن الأعرج ( عن أبي هريرة ، قال : أمر رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بصدقة . . . ) الحديث ، وفي آخره : ( فهي عليه صدقة ومثلها معها ) . واعلم أيضا أنه وقع اختلاف في هذا اللفظ ، ففي لفظ وقع : مثلها ، في متن حديث الباب ، وفي لفظ : ( فهي له ومثلها معها ) ، وفي لفظ : ( فهي علي ومثلها معها ) ، وفي لفظ : ( فهي عليه ومثلها معها ) . أما معنى الذي في متن حديث الباب أي : ( فهي عليه صدقة ) واجبة فأداها قبلمحلها ( ومثلها معها ) : أي : قد أداها لعام آخر ، كما ذكرناه عن الحكم آنفا . وأما معنى : ( فهي له ومثلها معها ) ، وهي رواية موسى بن عقبة ، أي : فهي عليه ، قيل : عليه وله بمعنى واحد ، كما في قوله تعالى : * ( ولهم اللعنة ) * ( غافر : 25 ) . وفي قوله : * ( وإن أسأتم فلها ) * ( الإسراء : 7 ) . ويحتمل أن يكون : فهي له ، أي فهي له علي ، ويحتمل أنها كانت له عليه إذا كان قدمها . وأما معنى قوله : ( فهي علي ومثلها معها ) ، أي : فهذه الصدقة علي بمعنى : أؤديها عنه لما له علي من الحق ، خصوصا له ، ولهذا قال : عم الرجل صنو أبيه ، وأما معنى : ( فهي عليه ومثلها معها ) ، وهي رواية ابن إسحاق ، قال أبو عبيد : نراه ، والله أعلم ، أنه كان أخر الصدقة عنه عامين من أجل حاجة العباس فإنه يجوز للإمام أن يؤخرها على وجه النظرة ثم يأخذها منه بعد ، كما فعل عمر ، رضي الله تعالى عنه ، بصدقة عام الرمادة ، فلما أجبى الناس في العام المقبل أخذ منهم صدقة عامين . وقيل : إنما تعجل منه لأنه أوجبها عليه وضمنها إياه ولم يقبضها منه ، فكانت دينا على العباس . ألاَ ترى قوله : ( فإنها عليه ومثلها معه ؟ ) قال ابن الجوزي : قال لنا ابن ناصر : يجوز أن يكون قد قال : هو عليه ، بتشديد الياء ، وزاد فيها هاء السكت . ذكر ما يستفاد منه فيه : إثبات الزكاة في أموال التجارة . وفيه : دليل على جواز أخذ القيمة عن أعيان الأموال . وفيه : جواز وضع الصدقة في صنف واحد . وفيه : جواز تأخير الزكاة إذا رأى الإمام فيه نظرة . وفيه : جواز تعجيل الزكاة . وقال أبو علي الطوسي : اختلف أهل العلم في تعجيل الزكاة قبل محلها ، فرأى طائفة من أهل العلم أن لا يعجلها ، وبه يقول سفيان ، وقال أكثر أهل العلم : إن عجلها قبل محلها أجزأت عنه ، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق ، وهو مذهب أبي حنيفة وقال ابن المنذر : وكره مالك والليث بن سعد تعجيلها قبل وقتها ، وقال الحسن : من زكى قبل الوقت أعاد ، كالصلاة . وفي ( التوضيح ) : وعند مالك في إخراجها قبل الحول بيسير قولان ، وحدَّ القليل بشهر ونصف شهر وخمسة أيام وثلاثة . وفيه : تحبيس آلات الحرب والثياب وكل ما ينتفع به مع بقاء عينه والخيل والإبل كالأعبد ، وفي تحبيس غير العقار