العيني

40

عمدة القاري

عليه وسلم ، أنكر مسألته فلما رأوه يسأل عنه سؤال راضٍ علموا أنه حمده ، فقال : إنه لا يأتي الخير بالشر ، أي : إن ما قضى الله أن يكون خيرا يكون خيرا ، وما قضاه أن يكون شرا يكون شرا ، وأن الذي خفت عليكم : تضييعكم نعم الله ، وصرفكم إياها في غير ما أمر الله ، ولا يتعلق ذلك بنفس النعمة ولا ينسب إليها ، ثم ضرب لذلك مثلاً فقال : ( وإن مما ينبت الربيع . . ) إلى آخره ، ينبت ، بضم الياء من الإنبات . قوله : ( يقتل أو يلم ) ، قال القزاز : هذا حديث جرى فيه البخاري على عادته في الاختصار والحذف ، لأن قوله ( فرأينا أنه ينزل عليه ) يريد الوحي ، وفي قوله : ( وإن مما ينبت الربيع يقتل أو يلم ) حذف : ما ، أي كلمة : ما ، قبل : يقتل ، وحذف : حبطا ، والحديث : ( إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم ) ، فحذف : حبطا ، وحذف : ما . قال القزاز : وروينا بهما ، وفي نسخة صاحب ( التلويح ) لفظا : حبطا ، موجود ، وغالب النسخ ليس فيه . وقال الخطابي : سقط في الكلام من ا لرواية : ما ، وتقديره : ما يقتل . قلت : لا بد من تقدير كلمة : ما ، لأن قوله : ( ينبت الربيع ) ، فعل وفاعل ولا يصلح أن يكون لفظ : يقتل ، مفعولاً إلاَّ بتقدير : ما ، وقوله : ( حبطا ) ، بفتح الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة ، وانتصابه على التمييز ، وهو داء يصيب الإبل ، وقال ابن سيده : هو وجع يأخذ البعير في بطنه من كلاء يستوبله ، وقد حبط حبطا فهو حبط ، وإبل حباطي وحبطة ، وحبطت الشاة حبطا : انتفخ بطنها عن أكل الدرق ، وذلك الداء الحباط . قوله : ( أو يلم ) من الإلمام أي : أو يقرب ويدنو من الهلاك . قوله : ( إلا آكلة الخضر ) ، بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين وفي آخره راء ، ووقع في رواية العذري : ( إلاَّ آكلة الخضرة ) ، بالتاء في آخره . وعند الطبري : ( الخضرة ) ، بضم الخاء وسكون الضاد ، وفي رواية الحموي : الخضراء ، بزيادة ألف قبل الاستثناء مفرغ ، والأصل : مما ينبت الربيع ما يقتل آكله إلاَّ آكلة الخضر ، وإنما صح الاستثناء المفرغ لقصد التعميم فيه ، ونظيره : قرأت إلاَّ يوم كذا . وقال الطيبي : والأظهر أن الاستثناء منقطع لوقوعه في الكلام المثبت ، وهو غير جائز عند صاحب ( الكشاف ) إلاَّ بالتأويل ، ولأن ما يقتل حبطا بعض ما ينبت الربيع لدلالة : من ، التبعيضية عليه ، ويجوز أن يكون الاستثناء متصلاً ، لكن يجب التأويل في المستثننى ، والمعنى : من جملة ما ينبت الربيع شيئا يقتل آكله إلاَّ الخضر منه إذا اقتصد فيه آكله وتحرى دفع ما يؤديه إلى الهلاك . قوله : ( فإنها ) أي : فإن آكلة الخضر ، قال الخطابي : الخضر ليس من أحرار البقول التي تستكثر منه الماشية فتهلكه أكلاً ، ولكنه من الجنبة التي ترعى الماشية منها بعد هيج العشب ويبسه ، وأكثر ما تقول العرب لما اخضر من الكلاء الذي لم يصفر ، والماشية من الإبل ترتع منها شيئا فشيئا ، فلا تستكثر منه فلا تحبط بطونها عليه . قوله : ( حتى إذا امتدت خاصرتاها ) يعني : إذا امتلأت شبعا وعظم جنباها ، والخاصرة : الجنب استقبلت الشمس لأنه الحين الذي تشتهي فيه الشمس ، وجاءت وذهبت ( فثلطت ) بفتح الثاء المثلثة أي : ألقت السرقين ، وقال ابن التين : ثلطت ، ضبطه بعضهم بفتح اللام وبعضهم بكسرها ، وفي ( المحكم ) : ثلط الثور والبعير والصبي ، يثلط ثلطا : سلح سلحا رقيقا . وفي ( مجمع الغرائب ) : خرج رجيعها عفوا من غير مشقة لاسترخاء ذات بطنها فيبقى نفعها ويخرج فضولها ولا يتأذى بها . وفي ( العباب ) و ( المغيث ) : وأكثر ما يقال للبعير والفيل . قوله : ( ورتعت ) أي : رعت ، وارتع إبله أي : رعاها في الربيع ، وأرتع الفرس وتربع : أكل الربيع ، وقال الداودي : رتعت افتعل من الرعي قلت : ليس كذلك ، ولا يقول هذا إلاَّ من لم يمس شيئا من علم التصريف . قوله : ( وإن هذا المال خضر ) ، بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين ، وإنما سمي الخضر خضرا لحسنه ولإشراق وجهه ، والخضر عبارة عن الحسن ، وهي من أحسن الألوان ، ويروى : خضرة ، بتاء التأنيث ، والوجه فيه أن يقال : إنما أنث على معنى تأنيث المشبه به ، أي : هذا المال شيء كالخضرة ، وقيل : معناه كالبقلة الخضرة ، أو يكون على معنى فائدة المال أي : الحياة به والمعيشة خضرة . وقال الطيبي : يمكن أن يعبر عن المال بالدنيا لأنه أعظم زينتي الحياة الدنيا ، قال تعالى : * ( المال والبنون زينة الحياة الدنيا ) * ( الكهف : 64 ) . وقال الخطابي يريدان صورة الدنيا حسنة المنظر موثقة تعجب الناظر ولذلك أنث اللفظين يعني خضرة حلوة وقال الكرماني : وله وجه آخر وهو أن تكون التاء للمبالغة ، نحو : رجل راوية وعلامة . قوله : ( ونعم صاحب المسلم . . . ) ، إلى آخره ، يقول : إن من أعطي مالاً وسلط على هلكته في الحق فأعطى من فضله المسكين وغيره ، فهذا المال المرغوب فيه . قوله : ( أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) شك من يحيى . قوله : ( وإنه من يأخذه ) أي : وإن المال من يأخذه بغير حقه ، بأن جمعه من الحرام