العيني
302
عمدة القاري
( فجاء ابن عمر ) القائل هو سالم والواو في : وأنا ، للحال . قوله : ( معه ) أي : مع ابن عمر ، ووقع في رواية عبد الرزاق عن معمر عن الزهري : ( فركب هو وسالم وأنا معهما ) ، وفي رواية عبد الرزاق أيضا عن معمر ، قال ابن شهاب : ( وكنت يومئذ صائما فلقيت من الحر شدة ) . واختلف الحفاظ في رواية معمر هذه ، فقال يحيى بن معين : هي وهم وابن شهاب لم ير ابن عمر ، رضي الله تعالى عنه ، ولا سمع منه . وقال الذهلي : لست أدفع رواية معمر لأن ابن وهب روى عن العمري عن ابن شهاب ، رحمه الله تعالى ، نحو رواية معمر ، وروى عنبسة بن خالد عن يونس عن ابن شهاب ، رضي الله تعالى عنه . . قال : وفدت إلى مروان وأنا محتلم ، قال الذهلي : ومروان مات سنة خمس وستين ، وهذه القصة كانت سنة ثلاث وسبعين . انتهى . وقال غيره : إن رواية عنبسة هذه أيضا وهم ، وإنما قال الزهري : وفدت على عبد الملك ، ولو كان الزهري وفد على مروان لأدرك جلة الصحابة ، رضي الله تعالى عنهم ، ممن ليست له عنهم رواية إلاَّ بواسطة ، وقد أدخل مالك وعقيل ، وإليهما المرجع في حديث الزهري ، بينه وبين ابن عمر في هذه القصة سالما ، فهذا هو المعتمد . قوله : ( عند سرادق الحجاج ) ، السرادق ، بضم السين . قال الكرماني : وتبعه غيره أنه هو الخيمة وليس كذلك ، وإنما السرادق هو الذي يحيط بالخيمة وله باب يدخل منه إلى الخيمة ولا يعمل هذا غالبا إلاَّ للسلاطين والملوك الكبار ، وبالفارسية يسمى : سرابردة . قوله : ( ملحفة ) ، بكسر الميم : الإزار الكبير . قوله : ( معصفرة ) أي : مصبوغة بالعصفر . قوله : ( يا أبا عبد الرحمن ) هو كنية عبد الله بن عمر . قوله : ( الرواح ) ، بالنصب أي : رح الرواح أو عجل ، قاله الكرماني ، والأصوب أن يقال : إنه منصوب على الإغراء أي : ألزم الرواح ، والإغراء تنبيه المخاطب على أمر محمود ليفعله . قوله : ( إن كنت تريد السنَّة ) وفي رواية ابن وهب : ( إن كنت تريد أن تصيب السنَّة ) . وقال أبو عمر في ( التقصي ) : هذا الحديث يدخل عندهم في المسند لقوله : ( إن كنت تريد السنَّة ) ، فالمراد سنَّة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكذلك إذا أطلقها غيره ما لم تضف إلى صاحبها ، كقولهم : سنة العمرين ، وما أشبه ذلك . انتهى . وهذه مسألة خلاف عند أهل الحديث والأصول ، والجمهور على ما قال ابن عبد البر ، وهي طريقة البخاري ومسلم ، ويقويه قول سالم لابن شهاب ، إذ قال له : أفعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : وهل تتبعون في ذلك إلاَّ سنته ؟ قوله : ( فأنظرني ) بفتح الهمزة وكسر الظاء المعجمة من الأنظار وهو الإمهال معناه أمهلني وفي رواية الكشميهني ( وانظرني ) بهمزة الوصل وضم الظاء ومعناه : انتظرني . قوله : ( حتى أفيض على رأسي ) حتى اغتسل لأن إفاضة الماء على الرأس إنما تكون غالبا في الغسل . قوله : ( ثم أخرج ) ، بالنصب عطف على قوله : ( حتى أفيض ) ، وأصله : حتى أن أفيض ، وقال ابن التين : صوابه أفضِ لأنه جواب الأمر . قوله : ( فنزل ) أي : ابن عمر ، كما صرح به في رواية أخرى على ما يأتي بعد بابين ، إن شاء الله تعالى ، وهذا يدل على أنه كان راكبا . قوله : ( فسار بيني وبين أبي ) أي : سار الحجاج بين سالم وأبيه عبد الله بن عمر ، ويحتمل أن يكونوا ركبانا ، لأن السنة الركوب حينئذ لمن له راحلة . قوله : ( وعجل الوقوف ) ، قال أبو عمر : رواية يحيى وابن القاسم وابن وهب ومطرف : وعجل الصلاة ، وقال القعنبي وأشهب : فأتم الخطبة وعجل الوقوف ، جعلا موضع الصلاة الوقوف . قال أبو عمر : وهو عندي غلط ، لأن أكثر الرواة عن مالك على خلافه . قيل : رواية القعنبي لها وجه ، لأن تعجيل الوقوف يستلزم تعجيل الصلاة ، ومع هذا وافق القعنبي عبد الله بن يوسف كما ترى ، وقال بعضهم : الظاهر أن الاختلاف فيه عن مالك . قلت : هذا ليس بظاهر ، وما الدليل عليه ؟ ذكر ما يستفاد منه فيه : أن تعجيل الصلاة يوم عرفة سنة مجمع عليها في أول وقت الظهر ، ثم يصلى العصر بإثر السلام والفراغ . وفيه : أن إقامة الحج إلى الخلفاء ومن جعلوا ذلك إليه ، وهو واجب عليهم يقيموا من كان عالما به . وفيه : الصلاة خلف الفاجر من الولاة ما لم تخرجه بدعته عن الإسلام . وفيه : أن الرجل الفاضل لا يؤاخذ عليه في مشيه إلى السلطان الجائر فيما يحتاج إليه . وفيه : أن تعجيل الرواح للإمام للجمع بين الظهر والعصر بعرفة في أول وقت الظهر سنة . وفيه : الغسل للوقوف بعرفة . وفيه : خروج الحجاج وهو محرم وعليه ملحفة معصفرة ولم ينكر ذلك عليه ابن عمر . وفيه : حجة لمن أجاز المعصفر للمحرم . وفيه : جواز تأمير الأدنى على الأفضل والأعلم . وفيه : ابتداء العالم بالفتيا قبل أن يسأل عنه . وفيه : الفهم بالإشارة والنظر . وفيه : أن اتباع الشارع هو السنة وإن كان في المسألة أوجه جائز غيرها . وفيه : فتوى التلميذ بحضرة أستاذه عند السلطان وغيره . وفيه : جواز الذهاب من العالم إلى السلطان ، سواء كان جائرا أو غير جائر ، لأجل إرشاده إياه إلى الخير