العيني
266
عمدة القاري
أحمسي ثوبه طاف فيه ، وإلاَّ ألقى ثيابه بباب المسجد ثم طاف سبعا عريانا ، وكانوا يقولون : لا نطوف في الثياب التي قارفنا فيها الذنوب . وكان بعض نسائهم تتخذ سيورا تعلقها في حقويها وتستر بها ، وفيه تقول العامرية : * اليوم يبدو بعضه أو كله * وما بدا منه فلا نحلّه * ثم من طاف منهم في ثيابه لم يحل له أن يلبسها أبدا ، ولا ينتفع بها ، وللرياشي زيادة في البيت المذكور : * كم من لبيب لبُّه يضلُّهُ * وناظرٍ ينظر ما يملُّهُ * * جهمٍ من الجثم عظيم ظلُّهُ * قلت : كانت هذه المرأة ضباعة بنت عامر ، وكانت تحت عبد الله بن جدعان ، وطافت بالبيت عريانة وهي واضعة يديها على فخذيها ، وقريش أحدثت بها وهي تقول هذه الأبيات ، وطافت بالبيت الحرام أسبوعا . وفي ( تاريخ ابن عساكر ) : كانت تغطي جسدها بشعرها ، وكانت إذا جلست أخذت من الأرض شيئا كثيا لعظم خلقها . وفي ( صحيح مسلم ) عن ابن عباس : كانت المرأة تطوف بالبيت عريانة ، تقول : من يعيرني تطوافا ، يعني : ثوبا تطوف به ، تجعله على فرجها ، وتقول : اليوم يبدون . . . إلى آخره . ذكر ما يستفاد منه فيه : حكمان : الأول : لا يحج بعد العام مشرك ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالنداء بذلك حين نزلت * ( إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) * ( التوبة : 82 ) . والمراد بالمسجد الحرام هنا ، الحرم كله ، فلا يمكن مشرك من دخول الحرم بحال ، وكذلك لا يمكن أهل الذمة من الإقامة بعد ذلك ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب ) قاله في مرض موته صلى الله عليه وسلم فإن قلت : إن الحبشة يخربون الكعبة حجرا حجرا . قلت : لفظ الحديث نهي لا خبر ، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا ) في حديث علي ، رضي الله تعالى عنه ، رواه الترمذي ، وانفرد به ، فقال : حدثنا علي ابن خشرم أخبرنا سفيان بن عيينة عن أبي إسحاق ( عن زيد بن أشبع قال : سألت عليا ، رضي الله تعالى عنه ، بأي شيء بعثت ؟ قال : ( بأربع : لا يدخل الجنة إلاَّ نفس مسلمة ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا . . ) الحديث . الحكم الثاني : أن لا يطوف بالبيت عريان ، واحتج مالك والشافعي وأحمد في رواية بهذا ، فقالوا باشتراط ستر العورة ، وذهب أبو حنيفة وأحمد في رواية إلى أنه لو طاف عريانا يجبر بدم . 86 ( ( بابٌ إذَا وقَفَ فِي الطَّوَافِ ) ) أي : هذا باب يذكر فيه إذا وقف الطائف في طوافه هل ينقطع طوافه أم لا ينقطع ؟ وإنما أطلق لوجود الاختلاف فيه ، فعند الجمهور : إذا عرض له أمر في طوافه فوقف يبني ويتمه ولا يستأنف طوافه ، وقال الحسن : إذا أقيمت عليه الصلاة وهو في الطواف فقطعه ، فإنه يستأنفه ولا يبني على ما مضى . وقال ابن المنذر : ولا أعلم قاله غيره ، وقال ابن بطال : جمهور العلماء يرون لمن أقيمت عليه الصلاة البناء على طوافه إذا فرغ من صلاته ، روي هذا عن ابن عمر والنخعي وعطاء وابن المسيب وطاووس ، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور . وفي ( شرح المهذب ) : فإن حضرت جنازة في أثناء الطواف فمذهب الشافعي ومالك إتمام الطواف أولى ، وبه قال عطاء وعمرو بن دينار ، وقال أبو ثور : لا يخرج ، وإن خرج استأنف ، وقال أبو حنيفة والحسن بن صالح : يخرج لها . وقال عَطَاءٌ فِيمَنْ يَطُوفُ فَتُقَامُ الصَّلاَةُ أوْ يُدْفَعُ عَنْ مَكَانِهِ إذَا سَلَّمَ يَرْجَعُ إلَى حَيْثُ قُطِعَ عَلَيْهِ فَيَبْنِي عطاء هو ابن أبي رباح ، وقال الكرماني : إنما لم يذكر البخاري حديثا يدل على الترجمة إشارة إلى أنه لم يجد في الباب حديثا بشرطه . قلت : لم يلزم البخاري ما ذكره ، فإنه إذا ذكر ترجمة وأتى بأثر من صحابي أو تابعي مطلق للترجمة فإنه يكفي ، وذكر ما قاله عطاء ، وهو تابعي كبير بيَّن مراده من الترجمة ، وهو أن الطائف إذا حصل له شيء فقطع طوافه فإنه يبنى على ما مضى ولا يستأنفه ، ووصل هذا المعلق عبد الرزاق عن ابن جريج ، قلت لعطاء : الطواف الذي تقطعه على الصلاة ، واعتد به يجزئ ؟ قال : نعم . وأحب إلي أن ألاَّ يعتد به . فأردت أن أركع قبل أن أتم سبعي ! قال : لا أوفِ سبعك إلا أن يمنع من الطواف . وقال سعيد بن