العيني
253
عمدة القاري
ذكر معناه : قوله : ( طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على بعير ) قال ابن بطال : استلامه بالمحجن راكبا يحتمل أن يكون لشكوى به . قلت : روى أبو داود : ( قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة وهو يشتكي ، فطاف على راحلته ، فلما أتى على الركن استلم بمحجن ، فلما فرغ من طوافه أناخ فصلى ركعتين ) . وفي إسناده يزيد بن أبي زياد وفيه مقال . قوله : ( يستلم ) جملة وقعت حالاً . قوله : ( الركن ) أي : الحجر الأسود ، وقال النووي : قال أصحابنا : الأفضل أن يطوف ماشيا ولا يركب إلاَّ لعذر مرض أو نحوه ، أو كان ممن يحتاج إلى ظهوره ليستفتي ويقتدي به ، فإن كان لغير عذر جاز بلا كراهة ، لكنه خلاف الأولى ، وقال أمام الحرمين : من أدخل البهيمة التي لا يؤمن من تلويثها المسجد بشيء . فإن أمكن الاستيثاق فذاك ، وإلاَّ فإدخالها المسجد مكروه ، وجزم جماعة من أصحابنا بكراهة الطواف راكبا من غير عذر ، منهم الماوردي والبندنيجي وأبو الطيب والعبدري ، والمشهور الأول والمرأة والرجل في ذلك سواء ، والمحمول على الأكتاف كالراكب ، وبه قال أحمد وداود وابن المنذر ، وقال مالك وأبو حنيفة : إن طاف راكبا لعذر أجزأه ، ولا شيء عليه ، وإن كان لغير عذر فعليه دم . قال أبو حنيفة : وإن كان بمكة أعاد الطواف ، فلو طاف زحفا مع القدرة على القيام فهو صحيح ، لكنه يكره ، وقال أبو الطيب في ( التعليقة ) : طوافه زحفا كطوافه ماشيا منتصبا ، لا فرق بينهما ، واعتذروا عن ركوب سيدنا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بأن الناس كثروا عليه وغشوه بحيث إن العواتق خرجن من البيوت لينظرن إليه ، أو لأنه يستفتى ، أو لأنه كان يشكو كما تقدم ، واستدل المالكيون بأن في الحديث دلالة على طهارة بول البعير ، وذهب أبو حنيفة والشافعي في آخرين إلى نجاسته . ذكر ما يستفاد منه : أنه إذا عجز عن تقبيل الحجر استلمه بيده أو بعصا ، ثم قبل ما استلم به ، كما مر في ( صحيح مسلم ) من حديث أبي الطفيل . وقال القاضي عياض : وانفرد مالك عن الجمهور ، فقال : لا يقبل يده ، وإذا عجز عن الاستلام أشار بيده أو بما في يده ، ولا يشير إلى القبلة بالفم ، لأنه لم ينقل ويراعى ذلك في كل طوفة ، فإن لم يفعل فلا شيء عليه . قال المهلب : واستلامه صلى الله عليه وسلم بالمحجن يدل على أنه ليس بفرض ، وإنما هو سنة . ألا ترى إلى قول عمر ، رضي الله تعالى عنه : لولا أني رأيت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قبَّلك ما قبَّلتك . ومما يستفاد منه : أن في قوله في حجة الوداع ردا على من كره تسمية حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حجة الوداع والمنكر غالط . وقال المهلب : وفيه : أنه لا يجب أن يطوف أحد في وقت صلاة الجماعة إلاَّ من وراء الناس ، ولا يطوف بين المصلين وبين البيت ، فيشغل الإمام والناس ويؤذيهم ، وترك أذى المسلم أفضل من صلاة الجماعة ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن مسجدنا ) . تَابَعَهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ عن ابن أخِي الزُّهْرِيِّ عنْ عَمِّهِ أي : تابع يونس عن ابن شهاب عبد العزيز الدراوردي ، بفتح الدال المهملة والراء وفتح الواو وسكون الراء وكسر الدال ، وقد تقدم في : باب الصلوات الخمس كفارة ، وهو يروى عن محمد بن عبد الله ابن أخي محمد بن مسلم الزهري ، وتقدم هو في : باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة ، وأخرج هذه المتابعة الإسماعيلي عن الحسن : حدثنا محمد بن عباد المكي ، حدثنا عبد العزيز بن محمد عن ابن أخي الزهري عن عمه عن عبيد الله ( عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت يستلم الركن بالمحجن ) . 95 ( ( بابُ مَنْ لَمْ يَسْتَلِمْ إلاَّ الرُّكْنَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ ) ) أي : هذا باب يذكر فيه من لم يستلم إلاَّ الركنين اليمانيين ، أي : دون الركنين الشاميين ، والياء في اليمانيين مخففة على المشهور ، لأن الألف فيه عوض عن ياء النسبة ، فلو شددت يلزم الجمع بين العوض والمعوض ، وجوز سيبويه التشديد ، وقال : إن الألف زائدة كما زيدت النون في صنعاني ، وهما : الركن الأسود والركن اليماني الذي يليه ، فقيل لهما : اليمانيان ، تغليبا ، كما يقال : الأبوان .