العيني

242

عمدة القاري

في ( صحيح ابن حبان ) . وقوله : ( بحق ) ، يحتمل أن يتعلق بقوله : يشهد ، ويحتمل أن يتعلق بقوله : استلمه ، وروى معمر عن رجل عن المنهال ابن عمرو عن مجاهد أنه قال : يأتي الحجر والمقام يوم القيامة كل واحد منهما مثل أحد ، فيناديان بأعلى صوتهما يشهدان لمن وافاهما بالوفاء ، وعن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة . قال الحاكم : صحيح الإسناد ، وعن ابن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس الله نورهما ، ولولا ذلك لأضاء ما بين المشرق والمغرب ) . أخرجه الحاكم ، وأخرجه البيهقي بسند على شرط مسلم ، وزاد : ( ولولا ما مسهما من خطايا بني آدم ، ما مسهما من ذي عاهة إلاَّ شفي ، وما على الأرض من الجنة غيره ) . وعن ابن عباس رفعه : ( لولا ما طبع الله الركن من أنجاس الجاهلية وأرجاسها وأيدي الظلمة والأئمة لاستشفي به من كل عاهة ، ولألقاه الله كهيئته يوم خلقه تعالى ، وإنما غيره الله تعالى بالسواد لئلا ينظر أهل الدنيا إلى زينة الجنة ، وأنه لياقوتة من ياقوت الجنة بيضاء ، وضعه لآدم حيث أنزله في موضع الكعبة ، والأرض يومئذ طاهرة لم يعمل فيها شيء من المعاصي ، وليس لها أهل ينجسونها ، ووضع لها صفا من الملائكة على أطراف الحرم يحرسونه من جان الأرض ، وسكانها يومئذ الجن ، وليس ينبغي لهم أن ينظروا إليه لأنه شيء من الجنة ، ومن نظر إلى الجنة دخلها فهم على أطراف الحرم حيث أعلامه ليوم يحدقون به من كل جانب ، بينه وبين الحرم ، وروى الطبراني عن عائشة : ( استمتعوا من هذا الحجر الأسود قبل أن يرفع فإنه خرج من الجنة ، وأنه لا ينبغي لشيء خرج من الجنة أن لا يرجع إليها قبل يوم القيامة ) . وفي رواية الجندي عن مجاهد : الركن من الجنة ولو لم يكن منها لفني . وعند الجندي عن سعيد بن المسيب : ( الركن والمقام حجران من حجارة الجنة ) . أخرى : كان أبو طاهر القرمطي من الباطنية وقال بسوء رأيه : هذا الحجر مغنطيس بني آدم ، فجاء إلى مكة وقلع الباب وأصعد رجلاً من أصحابه ليقطع الميزاب ، فتردى على رأسه إلى جهنم وبئس المآب ، وأخذ أسلاب مكة والحاج وألقى القتلى في بئر زمزم فهلك تحت الحجر من مكة إلى الكوفة أربعون جملاً ، فعلقه لعنة الله عليه على الأسطوانة السابعة من جامع الكوفة من الجانب الغربي ظنا منه أن الحج ينتقل إلى الكوفة ، قال ابن دحية : ثم حمل الحجر إلى هجر سنة سبع عشرة وثلاثمائة ، وبقي عند القرامطة اثنتين وعشرين سنة إلاَّ شهرا ، ثم رد لخمس خلون من ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة ، وكان يحكم التركي بذل لهم في درهم خمسين ألف دينار ، فما فعلوا وقالوا : أخذناه بأمر ولا نرده إلاَّ بأمر وقيل : إن القرمطي باع الحجر من الخليفة المقتدر بثلاثين ألف دينار ، ثم أرسل الحجر إلى مكة على قعود أعجف ، فسمن تحته وزاد حسنه إلى مكة ، شرفها الله تعالى . 15 ( ( بابُ إغلاقِ البَيْتِ ويُصَلِّي في أيِّ نَوَاحِي الْبَيْتِ شاءَ ) ) أي : هذا باب يذكر فيه إغلاق باب الكعبة البيت الحرام ، يقال : أغلقت الباب فهو مغلق ، والأسم الغلق ، وغلقت الباب غلقا لغة رديئة ، قاله الجوهري ، وغلَّقت الأبواب شدد للكثرة . قوله : ( ويصلي ) أي : الداخل في البيت يصلي في أي ناحية شاء من نواحي البيت ، وكل ناحية من نواحي البيت من داخله سواء ، كما أن كل نواحيه من خارجه في الصلاة إليه سواء . وفي ( التوضيح ) : قال الشافعي : من صلى في جوف البيت مستقبلاً حائطا من حيطانها فصلاته جائزة ، وإن صلى نحو باب البيت وكان مغلقا ، فكذلك وإن كان مفتوحا فباطلة ، لأنه لم يستقبل شيئا منها ، فكأنه استدل على ذلك بغلق باب الكعبة حين صلوا . وقد يقال : إنما أغلقه لكثرة الناس عليه فصلوا بصلاته ، ويكون ذلك عندهم من مناسك الحج ، كما فعل في صلاة الليل حين لم يخرج إليهم خشية أن يكتب عليهم ، ومتى فتح ، وكانت العتبة قدر ثلثي ذراع صحت أيضا ، ولا يرد عليه ما إذا انهدمت وصلى كما ألزمنا ابن القصار به ، لأنه صلى إلى الجهة . انتهى . قال النووي : إذا كان الباب مسدودا أو له عتبة قدر ثلثي ذراع يجوز ، هذا هو الصحيح ، وفي وجه : يقدر بذراع ، وقيل : يكفي شخوصها ، وقيل : يشترط قدر قامة طولاً وعرضا ، ولو وضع بين يديه متاعا واستقبله لم يجزه . قلت : الصلاة في الكعبة جائزة فرضها ونفلها ، وهو قول عامة أهل العلم ، وبه قال الشافعي . وقال مالك : لا يصلى في البيت والحجر فريضة ولا ركعتا الطواف الواجبتان ولا الوتر ولا ركعتا الفجر ، وغير ذلك ، لا بأس به ، ذكره في ذخيرتهم . وذكر القرطبي في ( تفسيره ) : عن مالك أنه : لا يصلي الفرض ولا السنن ، ويصلي التطوع ، فإن صلى فيه مكتوبة