العيني
224
عمدة القاري
البخاري أيضا في الجزية عن علي بن عبد الله ، وأخرجه في الحج أيضا عن عثمان بن أبي شيبة ، وفي الجهاد عن آدم وعن علي بن عبد الله وعمرو بن علي ، كلاهما عن يحيى بن سعيد . وأخرجه مسلم في الجهاد عن يحيى بن يحيى ، د وفيه وفي الحج عن إسحاق بن إبراهيم وفيهما أيضا عن محمد بن رافع ، وفي الجهاد أيضا عن أبي بكر وأبي كريب وعن عبد بن حميد ، وأخرجه أبو داود فيهما عن عثمان به مقطعا . وأخرجه الترمذي في السير عن أحمد بن عبدة الضبي . وأخرجه النسائي في الحج في البيعة عن إسحاق ابن منصور ، وفي الحج عن محمد بن قدامة . ذكر معناه : قوله : ( حرمه الله ) أي : جعله حراما ، ولفظ البخاري في : باب غزوة الفتح : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام يوم الفتح ، فقال : إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض ، فهي حرام بحراح الله تعالى إلى يوم القيامة . . ) الحديث . وقال البزار : وهذا الحديث قد روي عن ابن عباس من غير وجه . فإن قلت : إن قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن إبراهيم ، عليه الصلاة والسلام ، حرم مكة وأنا أحرم ما بين لابتيها ) أي : لابتي المدينة ، يعارض هذا الحديث ؟ قلت : ليس الأمر كذلك ، لأن معنى قوله : ( إن إبراهيم حرم مكة ) ، أعلن بتحريمها وعرف الناس بأنها حرام بتحريم الله ، إياها ، فلما لم يعرف تحريمها إلاَّ في زمانه على لسانه أضيف إليه . وذلك كما في قوله تعالى : * ( الله يتوفى الأنفس ) * ( الزمر : 24 ) . فإنه أضاف إليه التوفي . وفي آية أخرى : * ( قل يتوفاكم ملك الموت ) * ( السجدة : 11 ) . أضاف إليه التوفي ، وقال في آية أخرى : * ( الذين تتوفاهم الملائكة ) * ( النحل : 82 ) . فأضاف إليهم التوفي . وفي الحقيقة المتوفي هو الله عز وجل ، وأضاف إلى غيره لأنه ظهر على أيديهم . قوله : ( لا يعضد شجرها ) أي : لا يقطع ، من عضدتُ الشجر أعضده عضد ، أمثال : ضرب ، إذا قطعته ، وفي ( المحكم ) : الشجر معضود وعضيد . وقال الطبري : معنى : لا يعضد لا يفسد ويقطع ، وأصله من عضد الرجل الرجل إذا أصاب عضده بسوء . قوله : ( ولا ينفر صيده ) أي : لا يزعج من مكانه . وهو تنبيه من الأدنى إلى الأعلى ، فلا يضرب ولا يقتل بالطريق الأولى . قوله : ( ولا يلتقط ) على صيغة المعلوم ، ولقطته منصوب به . قوله : ( إلاَّ من عرفها ) ، أي : إلاَّ مَنْ عرف أنها لقطة فيلتقطها ليردها إلى صاحبها ولا يتملكها . ذكر ما يستفاد منه فيه : أن مكة حرام فلا يجوز لأحد أن يدخلها إلاَّ بالإحرام ، وهو قول عطاء بن أبي رباح والليث بن سعد والثوري وأبي حنيفة وأصحابه : ومالك في رواية ، وهي قوله الصحيح ، والشافعي في المشهور عنه ، وأحمد وأبي ثور ، وقال الزهري والحسن البصري والشافعي في قول ، ومالك في رواية ، وداود بن علي وأصحابه من الظاهرية : لا بأس بدخول الحرم بغير إحرام ، وإليه ذهب البخاري أيضا ، قاله عياض ، واستدلوا بما رواه مسلم من حديث جابر : ( أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء ) ، وبما رواه البخاري من حديث أنس : ( أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، دخل مكة وعلى رأسه مغفر . . ) الحديث . وأجيب : عن هذا : بأن دخوله ، صلى الله عليه وسلم ، مكة كان وهي حلال ساعتئذ ، فكذلك دخلها وهو غير محرم ، وأنه كان خاصا للنبي ، صلى الله عليه وسلم ، ثم عادت حراما إلى يوم القيامة ، فلا يجوز دخولها لأحد بغير إحرام . وفيه : أنه لا يجوز قطع شوكة ولا قطع شجرة ، وقال ابن المنذر : أجمع العلماء على تحريم قطع شجر الحرم ، وقال الإمام : اختلف الناس في قطع شجر الحرم : هل فيه جزاء أم لا ؟ فعند مالك : لا جزاء فيه ، وعند أبي حنيفة والشافعي : فيه الجزاء ، وجزاؤه عند الشافعي في الدوحة بقرة وما دونها شاة ، وعند أبي حنيفة : يؤخذ منه قيمة ذلك ، يشترى به هدي ، فإن لم تبلغ ثمنه ذلك تصدق به بنصف صاع لكل مسكين ، وقال الشافعي : في الخشب وما أشبه قيمته بالغة ما بلغت ، والمحرم والحلال في ذلك سواء ، وأجمع كل من يحفظ عنه العلم على إباحة أخذ كل ما ينبته الناس في الحرم من البقول والزروع والرياحين وغيرها ، واختلفوا في أخذ السواك من شجر الحرم ، فعن مجاهد وعطاء وعمرو بن دينار أنهم رخصوا في ذاك ، وحكى أبو ثور ذلك عن الشافعي ، وكان عطاء يرخص في أخذ ورق السنا يستمشي به ولا ينزع من أصله ، ورخصوا فيه عمرو بن دينار ، وفيه أنه لا يجوز رفع لقطتها إلاَّ المنشد ، قال القاضي عياض : حكم اللقطة في سائر البلاد واحد ، وعند الشافعي : أن لقطة مكة بخلاف غيرها من البلاد ، وأنها لا تحل إلاَّ لمن يعرفها ، ومذهب الحنفية كمذهب مالك لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : ( اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة ) ، من غير فصل .