العيني

212

عمدة القاري

إبْرَاهِيمَ وَإسْمَاعِيلَ أنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائفِينَ والعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَإذْ قالَ إبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هاذا بَلَدا آمِنا وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِالله واليَوْمِ الآخِرِ قالَ ومَنْ كَفَرَ فأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أضطَرُّهُ إلَى عَذَابِ النَّارِ وبِئْسَ المَصِيرُ . وَإذْ يَرْفَعُ إبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وإسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ . رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمِينَ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وأرِنَا مَنَاسِكَنَا وتُبْ عَلَيْنَا إنَّكَ أنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) * . ( البقرة : 521 821 ) . وقوله ، بالجر عطف على : قوله فضل مكة ، والتقدير وفي بيان تفسير قوله تعالى : * ( وإذ جعلنا ) * ( البقرة : 521 821 ) . الخ وهذه أربعة آيات سيقت كلها في رواية كريمة ، وفي رواية الباقين بعض الآية الأولى ، وفي رواية أبي ذر كل الآية الأولى : ثم قالوا : إلى قوله * ( التواب الرحيم ) * ( البقرة : 521 821 ) [ / ح . قوله تعالى : * ( وإذ جعلنا البيت ) * أي : واذكر إذ جعلنا البيت ، والبيت اسم غالب للكعبة كالنجم للثريا . قوله : ( مثابة ) أي : مباءة ومرجعا للحجاج والعمار ، فينصرفون عنه ثم يثوبون إليه . قال الزجاج : أصل مثابة مثوبة نقلت حركة الواو إلى الثاء وقلبت الواو ألفا لتحركها في الأصل ، وانفتاح ما قبلها . وقال الزمخشري : وقرئ مثابات . وقال ابن جرير : قال بعض نحاة البصرة : ألحقت الهاء في المثابة لما كثر من يثوب إليه كما يقال : سيارة ونسابة ، وقال بعض نحاة الكوفة : بل المثاب والمثابة بمعنى واحد نظير المقام والمقامة ، فالمقام ذكر على قوله لأنه أريد به الموضع الذي يقام فيه ، وأنثت المقامة لأنه أريد بها البقعة ، وأنكر هؤلاء أن تكون المثابة نظيرة للسيارة والنسابة ، وقالوا : إنما أدخلت الهاء في السيارة والنسابة تشبيها لها بالداهية ، والمثابة مفعلة من ثاب القوم إلى الموضع إذا رجعوا إليه ، فهم يثوبون إليه مثابا ومثابة وثوابا ، بمعنى : جعلنا البيت مرجعا للناس ومعادا يأتونه كل عام ويرجعون إليه ، فلا يقضون منه وطرا ، ومنه أثاب إليه عقله إذا رجع إليه بعد عزوبه عنه . فإن قلت : البيت ، مذكر ، ومثابة مؤنثة ، والتطابق بين الصفة والموصوف شرط ؟ قلت : ليست التاء فيه للتأنيث ، بل هو كما يقال : درهم ضرب الأمير ، والمصدر قد يوصف به . يقال : رجل عدل رضي ، أي : معدل مرضى ، وقيل : الهاء فيه للمبالغة لكثرة من يثوب إليه ، مثل : علامة . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا عبد الله بن رجاء أخبرنا إسرائيل عن مسلم عن مجاهد عن ابن عباس في قوله : مثابة ، قال : يثوبون إليه ثم يرجعون . قال : وروي عن أبي العالية وسعيد بن جبير في رواية وعطاء والحسن وعطية والربيع بن أنس والضحاك نحو ذلك ، وقال سعيد بن جبير في رواية أخرى ، وعكرمة وقتادة وعطاء الخراساني : * ( مثابة للناس ) * أي : مجمعا . قوله : * ( وأمنا ) * أي : موضع أمن . كقوله تعالى : * ( حرما أمنا ويتخطف الناس من حولهم ) * ( العنكبوت : 76 ) . ولأن الجاني يأوي إليه فلايتعرض له حتى يخرج . وقال الضحاك عن ابن عباس ، أي : أمنا للناس . وقال الربيع بن أنس عن أبي العالية يعني : أمنا من العدو ، وأن يحمل فيه السلام . قوله : * ( واتخذوا ) * ، قال الزمخشري : واتخذوا على إرادة القول ، أي : وقلنا اتخذوا منه موضع صلاة تصلون فيه ، وهي على وجه الاختيار والاستحباب دون الوجوب ، وقرأ نافع وابن عامر : واتخذوا ، على صيغة الماضي ، وقرأ الباقون على صيغة الأمر . واختلف المفسرون في المراد بالمقام ما هو ؟ فقال ابن أبي حاتم : حدثنا عمر بن شبه النمري حدثنا أبو خلف يعني : عبد الله بن عيسى حدثنا داود بن أبي هند عن مجاهد عن ابن عباس ، قال : * ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) * قال : مقام إبراهيم الحرم كله ، وعن ابن عباس : مقام إبراهيم الحج له ، ثم فسره عطاء فقال : التعريف وصلاتان بعرفة والمشعر ومنى ورمي الجمار والطواف بين الصفا والمروة . وقال سفيان عن عبد الله بن مسلم عن سعيد بن جبير ، قال : الحجر مقام إبراهيم ، فكان يقوم عليه ويتناول إسماعيل الحجارة . وقال السدي : المقام الحجر الذي وضعته زوجة إسماعيل ، عليه السلام ، تحت قدم إبراهيم ، عليه السلام ، حتى غسلت رأسه . حكاه القرطبي ، وضعفه . وحكاه الرازي في ( تفسيره ) عن الحسن البصري وقتادة والربيع بن أنس ، وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن محمد الصباح ، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء عن ابن جريج عن جعفر بن محمد عن أبيه سمع جابرا يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لما طاف النبي صلى الله عليه وسلم قال له ، رضي الله تعالى عنه : هذا مقام أبينا إبراهيم ؟ قال : نعم ، قال : أفلا تتخذه مصلى ؟ فأنزل الله عز وجل : * ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) * وقد كان المقام ملصقا بجدار الكعبة قديما ، ومكانه معروف اليوم إلى جانب