العيني

196

عمدة القاري

من لم يكن ساق الهدي أن يحل ) أي : من الحج إلى العمرة ، وهذا هو فسخ الحج . ورجاله قد ذكروا في : باب من سأل ، في كتاب العلم ، وعثمان هو ابن أبي شيبة ، وجرير ، بفتح الجيم : ابن عبد الحميد ، ومنصور بن المعتمر ، وإبراهيم النخعي ، والأسود بن يزيد خال إبراهيم وكلهم كوفيون . والحديث أخرجه البخاري أيضا عن أبي النعمان عن أبي عوانة عن جرير ، وأخرجه مسلم في الحج أيضا عن زهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم ، كلاهما عن جرير به . وأخرجه أبو داود فيه عن عثمان بن أبي شيبة به . وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن قدامة عن جرير به . ذكر معناه : قوله : ( خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ) ، وكان خروجهم في أشهر الحج كما قد بينه في الحديث الذي مضى في الباب السابق . قوله : ( ولا نرى ) ، بضم النون أي : ولا نظن ، وقال ابن التين : ضبطه بعضهم بفتح النون وبعضهم بضمها ، وقال القرطبي : كان هذا قبل أن يعلمن بأحكام الإحرام وأنواعه ، وقيل : يحتمل أن ذلك كان اعتقادها من قبل أن تهل ثم أهلت بعمرة ، ويحتمل أن تريد بقولها : لا نرى حكاية عن فعل غيرها من الصحابة ، وهم كانوا لا يعرفون غيره ، وزعم عياض أنها كانت أحرمت بالحج ثم أحرمت بالعمرة ، ثم أحرمت بالحج ، ويدل على أن المراد بقولها : لا نرى إلاَّ الحج ، من فعل غيرها ، قوله : ( فلما قدمنا تطوفنا بالبيت ) ، تعني بذلك : النبي صلى الله عليه وسلم والناس غيرها لأنها لم تطف بالبيت في ذلك الوقت لأجل حيضها ، وفي رواية أبي الأسود عن عروة عن عائشة : ( خرجنا مع النبي ، صلى الله عليه وسلم ، مهلين بالحج ) وفي رواية مسلم من طريق القاسم عنها : ( لا تذكر إلاَّ الحج ) وفي رواية للبخاري أيضا كذلك ، وقد مضت في كتاب الحيض ، وله أيضا من هذا الوجه : ( لبينا بالحج ) ، وظاهر هذا يقتضي أن عائشة كانت مع الصحابة أولاً محرمين بالحج ، لكن في رواية عروة عنها هنا : ( فمنا من أهل بعمرة ، ومنا من أهل بحج وعمرة ، ومنا من أهل بالحج ) . فإن قلت : ما وجه هذا ؟ قلت : يحمل الأول على أنها ذكرت ما كانوا يعهدونه من ترك الاعتمار في أشهر الحج فيخرجون لا يعرفون إلاَّ الحج ، قالت : مهلين بالحج ، ولا نرى إلاَّ أنه الحج ، ثم بين لهم النبي صلى الله عليه وسلم وجوه الإحرام وجوز لهم الاعتمار في أشهر الحج . فإن قلت : قد مر في كتاب الحيض أنها قالت : أهللت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، فكنت فيمن تمنع ولم يسق الهدي ؟ قلت : الجواب عنه ما قاله عياض الذي قد ذكرناه آنفا ، وكذلك الجواب عن قولها : وكنت ممن أهل بعمرة ، وقد مضى في كتاب الحيض ، وسيأتي في المغازي ، وادعى إسماعيل القاضي وغيره أن هذا غلط من عروة وأن الصواب رواية الأسود والقاسم وعروة عنها أنها أهلت بالحج مفردا ، ورد عليه بأن قول عروة صريح أنها أهلت بعمرة ، وقول الأسود وغيره عنها : لا نرى إلاَّ الحج ، فليس بصريح في إهلالها بحج مفرد ، فالجمع بينهما بما ذكرناه ، فلا يحتاج إلى تغليط عروة وهو أعلم الناس بحديثها . قوله : ( أن يحل أي : بأن يحل من الحج ، وهو بضم الياء من الإحلال ، وهو الخروج من الإحرام ، قال الكرماني : ويروى بأن يحل ، بفتح الياء أي : يصير حلالاً ، والأول يناسب قولها : فأحللن ، والثاني : يناسب قولها : فحل فإن قلت : قوله : ( فأمر النبي ، صلى الله عليه وسلم ) الفاء فيه تقتضي التعقيب ، فتدل على أن الأمر كان بعد الطواف مع أنه قد سبق الأمر بهذا ؟ قلت : أجاب الكرماني أنه قال مرتين : قبل القدوم وبعده ، فالثاني تكرار للأول وتأكيد له . قوله : ونساؤه لم يسقن ) أي : نساء النبي صلى الله عليه وسلم لم يسقن الهدي ، فلذلك أحللن قوله : ( فلم أطف ) قال الكرماني : هذا مناف لقوله : ( تطوفنا ) ، ثم أجاب بقوله : المراد بلفظ الجمع الصحابة ، وهذا تخصيص لذلك العام . قلت : قد ذكرنا أنها تعني النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه ، لأنها لم تطف ولم تدخل نفسها فيهم ، فكيف يكون تخصيصا لذلك العام ؟ ثم قال أيضا : فكيف صح حجها بدون الطواف ؟ فأجاب بأنه ليس المراد طواف ركن الحج ، بدليل قولها في حديث الباب السابق : ( ثم خرجت من منىً فأفضت بالبيت ) . قوله : ( ليلة الحصبة ) أي : الليلة التي بعد ليالي التشريق التي ينزل الحجاج فيها في المحصب ، والمشهور في الحصبة سكون الصاد ، وجاء فتحها وكسرها ، وهي أرض ذات حصى . قوله : ( وأرجع أنا بحجة ) ، وفي رواية الكشميهني : ( وأرجع لي بحجة ) ، قال الكرماني : فما قول من قال : إنها كانت قارنة ؟ فأجاب بقوله : إنهم يرجعون بحج منفرد وارجع ليس لي عمرة منفردة ؟ قوله : ( قالت صفية ) هي أم المؤمنين ، سبقت في : باب المرأة تحيض بعد الإفاضة . قوله : ( ما أراني ) أي : ما أظن نفسي إلاَّ حابسة القوم عن التوجه إلى المدينة ، لأني حضت وما طفت بالبيت ، فلعلهم بسببي