العيني
194
عمدة القاري
كان التامة أي : فكان الآخذ بها والتارك لها ، والضمير في : بها ولها ، يرجع إلى العمرة . وقال القرطبي : ظاهره التخيير ، فلذلك كان منهم الآخذ والتارك ، لكن لما ظهر منه صلى الله عليه وسلم العزم حين غضبه ، قالوا : تحللنا وسمعنا وأطعنا ، وكان ترددهم لأنهم ما كانوا يرون العمرة في أشهر الحج جائزة ، وأنها من أفجر الفجور ، فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم جواز ذلك . قوله : ( وأنا أبكي ) جملة حالية . قوله : ( يا هنتاه ) يعني : يا هذه من غير أن يراد به مدح أو ذم ، وأصل هذا مأخوذ من : هن ، على وزن : أخ ، وهو كناية عن شيء لا تذكره باسمه ، وتقول في النداء : يا هن ، للرجل وللمرأة يا هنة ، ولك أن تذخل فيهما الهاء لبيان الحركة فتقول : يا هنة ويا هنته ، وإذا أشبعت الحركة تتولد الألف فتقول حينئذ : يا هناه ويا هنتاه ، ولا يستعملان إلاَّ في النداء وقال السفاقسي : ضبط في رواية أبي ذر بإسكان النون ، وفي رواية أبي الحسن بفتحها . وقال ابن الأثير : تضم الهاء الآخرة وتسكن وتقول في التثنية للمذكر : هنان ، وللجمع : هنون وللمؤنث هنتان وهنات ، وقيل : معنى يا هنتاه : يا بلهاء ، كأنها نسبت إلى قلة المعرفة بمكائد الناس وشرورهم . وقال التيمي : الألف والهاء في آخره كالألف والهاء في الندبة . قوله : ( قلت لا أصلي ) كناية عن أنها حاضت ، وفيه رعاية الأدب وحسن المعاشرة . قوله : ( فلا يضيرك ) ، من الضير بالضاد المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره راء الضرر وهذه رواية الكشميهني وفي رواية ( لا يضرك ) بتشديد الراء من الضرر . قوله : ( أن يرزقيكها ) أي : العمرة . قوله : ( في النفر الآخر ) ، وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة ، والنفر الأول هو الثاني عشر منه ، وقال الكرماني : النفر ، بسكون الفاء وفتحها . قوله : ( حتى نزل المحصب ) ، بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد الصاد المهملة المفتوحة وفي آخره باء موحدة : وهو مكان متسع بين مكة ومنىً ، وسمي به لاجتماع الحصباء فيه بحمل السيل ، وأنه موضع منهبط ، وهو الأبطح والبطحاء ، وحدوه بأنه ما بين الجبلين إلى المقابر وليست المقبرة منه ، وفيه لغة أخرى : الحصاب ، بكسر الحاء . وقال أبو عبيد : هو من حدود خيف بني كنانة ، وحده من الحجون ذاهبا إلى منى . وقال في موضع آخر : وهو الخيف . قال ياقوت : وهو غير المحصب موضع رمي الجمار بمنى . قوله : ( فلتهل ) بضم التاء المثناة من فوق : من الإهلال ، وهو الإحرام . قوله : ( ثم أفرغا ) أمر لعبد الرحمن وعائشة كليهما أي : أفرغا من العمرة ، وهذا يدل على أن عبد الرحمن أيضا اعتمر مع عائشة . قوله : ( ههنا ) أي : المحصب . قوله : ( فإني أنظركما ) بمعنى : انتظركما ، وفي رواية للكشميهني : ( انتظركما ) ، من الانتظار . قوله : ( حتى تأتياني ) وفي غالب النسخ ، تأتيان ، بنون الوقاية وحذف الياء التي للمتكلم والاكتفاء بالكسرة عنها . قوله : ( حتى إذا فرغت وفرغت ) بالتكرار وصلة الأول محذوفة أي : فرغت من العمرة وفرغت من الطواف ، وحذف الأول للعلم به ، ويروى : ( حتى إذا فرغت وفرغ ) ، بلفظ الغائب أي : حتى إذا فرغت أنا من العمرة وطواف الوداع وفرغ عبد الرحمن أيضا . قوله : ( بسحر ) ، بفتح الراء بدون التنوين وبجرها مع التنوين ، وهو عبارة عن قبيل الصبح الصادق ، فإذا أردت به سحر ليلتك بعينه لم تصرفه لأنه معدول عن السحر ، وهو علم له ، وإن أردت نكرة صفة فهو منصرف ، والأولى هنا هو الأول . قوله : ( هل فرغتم ؟ ) خطاب لعبد الرحمن ولعائشة ومن معهما في ذلك الإعمار ، وإلاَّ فالقياس أن يقال : هل فرغتما ، أو نقول : إن أقل الجمع اثنان . قوله : ( فآذن بالرحيل ) أي : فاعلم الناس بالارتحال . قوله : ( متوجها ) أي : حال كونه صلى الله عليه وسلم متوجها نحو المدينة . ذكر ما يستفاد منه فيه : أن من كان بمكة وأراد العمرة فميقاته لها الحل ، وإنما وجب الخروج إليه ليجمع في نسكه بين الحل والحرم ، كما يجمع الحاج بينهما ، فإن عرفات من الحل . وفيه : النزول بالمحصب ، فظاهره أن النزول فيه سنة كما قال أبو حنيفة ، وهو قول إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير وطاووس ، وقال ابن المنذر : كان ابن عمر يراه سنة ، وقال نافع : حصب النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده ، أخرجه مسلم ، وزعم ابن حبيب أن مالكا كان يأمر بالتحصيب ويستحبه ، وبه قال الشافعي ، وقال عياض : هو مستحب عند جميع العلماء ، وهو عند الحجازيين أوكد منه عند الكوفيين ، وأجمعوا أنه ليس بواجب ، وأخرج مسلم عن نافع ( عن ابن عمر : أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر ، رضي الله تعالى عنهما ، كانوا ينزلون بالأبطح ) ، وأخرجت الأئمة الستة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، قالت : إنما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمحصب ليكون أسمح لخروجه وليس بسنة ، فمن شاء نزله ومن شاء لم ينزله .