العيني
189
عمدة القاري
عنه ، قال في قول الله تعالى : * ( وأتموا الحج والعمرة لله ) * ( البقرة : 691 ) . قال : من تمامها أن يفرد كل واحد منهما من الآخر ، وأن يعتمر في غير أشهر الحج ، إن الله تعالى يقول : * ( الحج أشهر معلومات ) * ( البقرة : 791 ) . قوله : ( فإنه ) أي : فإن النبي صلى الله عليه وسلم . قوله : ( لم يحل ) أي : لم يخرج من إحرامه ( حتى نحر الهدي ) في منىً . ذكر ما يستفاد منه فيه : الدلالة على جواز الإحرام المعلق ، وبه أخذ الشافعي ، وقد ذكرناه مع الجواب عنه . وفيه : فسخ الحج إلى العمرة ، ونهى عمر ، رضي الله تعالى عنه ، عن المتعة . وقال المازري : قيل : إن المتعة التي نهى عنها عمر ، رضي الله تعالى عنه ، فسخ الحج إلى العمرة ، وقيل : ونهى عمر عن العمرة في أشهر الحج ، ثم الحج من عامة ، وعلى الثاني : إنما نهى عنها ترغيبا في الإفراد الذي هو أفضل ، لا أنه يعتقد بطلانها وتحريمها . وقال عياض : الظاهر أنه نهى عن الفسخ ، ولهذا كان يضرب الناس عليها ، كما رواه مسلم ، بناء على أن الفسخ كان خاصا بتلك السنة . وقال النووي : والمختار أنه نهى عن المتعة المعروفة التي هي الاعتمار في أشهر الحج ، ثم الحج من عامة ، وهو على التنزيه للترغيب في الإفراد ، ثم انعقد الإجماع على جواز التمتع من غير كراهة . وقيل : علة كراهة عمر المتعة أن يكون معرسا بالمرأة ثم يشرع في الحج ورأسه يقطر ، وذلك أنه كان من رأيه عدم الترفه للحاج بكل طريق ، فكره لهم قرب عهدهم بالنساء لئلا يستمر الميل إلى ذلك ، بخلاف من بعد عهده منهن ، ويدل على ذلك ما رواه مسلم عن أبي موسى أنه كان يفتي بالمتعة ، فقال رجل : رويدك ببعض فتياك فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين بعد ، حتى لقيه بعد فسأله ، فقال عمر ، رضي الله تعالى عنه : قد علمت أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قد فعله وأصحابه ، ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن في الأراك ثم يروحون في الحج تقطر رؤوسهم . وفيه : حجة لأبي حنيفة وأحمد من أن المعتمر إذا كان معه الهدي لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر . وقال مالك والشافعي : إنه إذا طاف وسعى وحلق حل من عمرته وحل له كل شيء في الحال ، سواء كان ساق هديا أم لا . والحديث حجة عليهما . فإن قلت : كيف أمر النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أبا موسى في هذا الحديث بالإحلال ولم يأمر عليا ، رضي الله تعالى عنه ، والحال أن كلاً منهما قال : إهلالي كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قلت : لأن أمره لأبي موسى بالإحلال على معنى ما أمر به غيره بالفسخ بالعمرة لمن ليس معه هدي ، وأمره لعلي ، رضي الله تعالى عنه ، أن يهدي ويمكث حراما إما لأنه والله تعالى أعلم كان معه هدي ، أو قد يكون قد اعتقد النبي صلى الله عليه وسلم أنه يهدي عنه ، أو يكون خصه بذلك ، أو لما كان النبي صلى الله عليه وسلم أمره بسوق هذه البدن من اليمن فكان كمن معه هدي ، ولا يظن أن هذه البدن من السعاية والصدقة بوجه ، إذ لا يحل للنبي صلى الله عليه وسلم الصدقة ، ولا يهدي منها . والأشبه أن عليا اشتراها باليمن كما اشترى النبي صلى الله عليه وسلم بقيتها ، وجاء بها من المدينة على ما جاء في حديث أيضا : أنه اشترى هديه بقديد ، وفي حديث ابن عمر : فساق الهدي معه من ذي الحليفة ، وكان النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قد أعلمه أنه سيعطيه هديا منها ، وفي حديث جابر : أنه قدم ببدن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وقد يحتمل أنه كان له فيها هدي لم يحتج إلى ذكرها في الحديث ، فلم يمكنه أن يحل . ويدل على هذا سؤال النبي ، صلى الله عليه وسلم ، لأبي موسى : هل ساق هديا ؟ ولم يسأل علي ، فدل على علمه بأنه كان ممن أهدى أو ممن حكمه حكم من أهدى ، والله أعلم . 33 ( ( بابُ قَوْلِ الله تعالى * ( الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحَجِّ ) ) أي : هذا باب في بيان تفسير قول الله تعالى : * ( الحج أشهر معلومات ) * الكلام فيه على أنواع : الأول في إعرابها : فقوله : * ( الحج ) * مبتدأ . وقوله : * ( أشهر ) * خبره . وقوله : * ( معلومات ) * صفة الأشهر ، ومن شرط الخبر أن يصح به الإخبار عن المبتدأ فلا يصح أن يخبر بالأشهر عن الحج ، فلذلك قدر فيه حذف تقديره : وقت الحج أشهر معلومات ، ويقال : تقديره الحج حج أشهر معلومات ، فعلى الأول المقدر قبل المبتدأ ، وعلى الثاني قبل الخبر ، وإن كان يصلح فيه تقدير كلمة : في ، فلا يقال إلاَّ بالرفع ، وكذلك كلام العرب يقولون : البرد شهران ، فلا ينصبونه ، وقال الواحدي : يمكن حمله على غير إضمار ، وهو أن الأشهر جعلت نفس الحج اتساعا لكون الحج يقع فيها ، كقولهم : ليل نائم . قوله : ( أشهر ) جمع شهر ، وليس المراد منه ثلاثة أشهر كوامل ، ولكن المراد