العيني
173
عمدة القاري
المعنى عندي واحد ، لأن من فتح أراد لبيك لأن الحمد لك على كل حال ، واعترض عليه لأن التقييد ليس في الحمد ، وإنما هو في التلبية . وقال ابن دقيق العيد : الكسر أجود لأنه يقتضي أن تكون الإجابة مطلقة غير معللة ، وأن الحمد والنعمة لله على كل حال ، والفتح يدل على التعليل ، فكأنه يقول : أجبتك لهذا السبب ، والأول أعم وأكثر فائدة . قوله : ( والنعمة لك ) المشهور فيه النصب ، قال عياض : ويجوز فيه الرفع على الابتداء ، ويكون الخبر محذوفا ، والتقدير أن الحمد لك والنعمة مستقرة لك ، نقله عن ابن الأنباري . قوله : ( والملك ) ، أيضا بالنصب على المشهور ، ويجوز الرفع وتقديره : والملك كذلك ، والملك بضم الميم ، والفرق بينه وبين الملك بكسر الميم . الوجه الثاني : أن الحكمة في مشروعية التلبية هي التنبيه على إكرام الله تعالى لعباده ، بأن وفودهم على بيته إنما كان باستدعاء منه ، عز وجل ، فإن قلت : لِمَ قرن الحمد بالنعمة وأفرد الملك ؟ قلت : لأن الحمد متعلق بالنعمة ، ولهذا يقال : الحمد لله على نعمه ، فجمع بينهما كأنه قال : لا حمد ، إلاَّ لك ، لأنه لا نعمة إلاَّ لك وأما الملك ، فهو معنى مستقل بنفسه ، ذكر لتحقيق : أن النعمة كلها لله لأنه صاحب الملك . الوجه الثالث : في حكم التلبية ، ففيه أربعة أقوال ، قد ذكرناها في أواخر الباب السابق . الوجه الرابع : في الزيادة على ألفاظ التلبية المروية عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، في الحديث المذكور . قال أبو عمر : أجمع العلماء على القول بهذه التلبية ، واختلفوا في الزيادة فيها ، فقال مالك : كره الزيادة فيها على تلبية رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وقد روي عنه أنه : لا بأس أن يزاد فيها ما كان ابن عمر يزيده ، قلت : روى هذه مسلم ، قال : حدثنا يحيى بن يحيى التميمي ، قال : قرأت على مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر : أن تلبية رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : لبيك اللهم لبيك ، لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك . قال : وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها : لبيك لبيك ، لبيك وسعديك ، والخير بيديك ، لبيك والرغباء إليك والعمل . وقال الثوري والأوزاعي ومحمد بن الحسن ، له أن يزيد فيها ما شاء وأحب . وقال أبو حنيفة وأحمد وأبو ثور : لا بأس بالزيادة . وقال الترمذي : قال الشافعي : إن زاد في التلبية شيئا من تعظيم الله تعالى فلا بأس إن شاء الله ، وأحب إلي إن يقتصر . وقال أبو يوسف والشافعي ، في قول : لا ينبغي أن يزاد فيها على تلبية النبي صلى الله عليه وسلم المذكورة ، وإليه ذهب الطحاوي واختاره ، وقد زاد جماعة في التلبية ، منهم : ابن عمر ، ومنهم أبوه عمر بن الخطاب ، زاد هذه الزيادة التي جاءت عن ابنه عبد الله بن عمر ، ولعل عبد الله أخذها من أبيه ، فإنه رواها عنه كما هو متفق عليه ، ومنهم ابن مسعود ، فروي عنه أنه لبى ، فقال : لبيك عدد الحصى والتراب . وروى أبو داود وابن ماجة من حديث جابر ، قال : أهلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر التلبية ، قال : والناس يزيدون : ذا المعارج ، ونحوه من الكلام والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع فلا يقول لهم شيئا . وروى سعيد بن المنصور في ( سننه ) بإسناده إلى الأسود بن يزيد أنه كان يقول : لبيك غفار الذنوب لبيك . وفي ( تاريخ مكة ) للأزرقي ، صفة تلبية جماعة من الأنبياء ، عليهم السلام ، رواه من رواية عثمان بن ساج ، قال : أخبرني صادق أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لقد مر بفج الروحاء سبعون نبيا تلبيتهم شتى ، منهم يونس بن متى ، وكان يونس يقول : لبيك فراج الكرب لبيك ، وكان موسى صلى الله عليه وسلم يقول : لبيك أنا عبدك لديك لبيك . قال : وتلبية عيسى ، عليه السلام : أنا عبدك وابن أمتك بنت عبديك لبيك ، وروى الحاكم في ( المستدرك ) من رواية داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف بعرفات ، فلما قال : لبيك اللهم لبيك ، قال إنما الخير خير الآخرة ، وقال : هذا حديث صحيح ولم يخرجاه ، وروى الدارقطني في العلل من رواية محمد بن سيرين عن يحيى بن سيرين عن أنس بن سيرين عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لبيك حجا حقا ، تعبدا ورقا . وفي هذا الحديث نكتة غريبة ، وهو أنه اجتمع فيه ثلاثة أخوة يروي بعضهم عن بعض ، ولا يعرف هذا في غير هذا الحديث . قوله في حديث مسلم وسعديك ، معناه : مساعدة لطاعتك بعد مساعدة . قوله : والرغباء ، قال أبو المعاني في ( المنتهى ) الرغب والرغبة والرغب ، بالتحريك : اتساع الإرادة ، ورغبت فيه أوسعته إرادة ، وأرغبت لغة ، والرغبى والرغباء مثل : النعمى والنعماء ، إسمان منه إذا فتحت مددت ، وإذا ضممت قصرت . وفي ( المحكم ) : الرغب والرغب والرغب والرغبة والرغبوت والرغبي والرغبا والرغباء : الضراعة والمسألة ، وقد رغب إليه ورغب إليه هو عن ابن الأعرابي ، ودعا الله رغبة ورغبة . وقيل : هي الرغبى مثل سكرى . والعمل فيه حذف ، تقديره : والعمل إليك ، أي إليك القصد به ، والانتهاء به إليك لنجازى عليه .