العيني

171

عمدة القاري

ولفظه : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أمرني جبريل ، عليه السلام ، برفع الصوت بالإهلال ، وقال : إنه من شعائر الحج ) ، ورواه البيهقي أيضا . ومنها : حديث ابن عباس أخرجه أحمد أيضاعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( قال : إن جبريل ، عليه السلام ، أتاني فأمرني أن أعلن بالتلبية ) . ومنها : حديث جابر ، أخرجه سعيد بن منصور في ( سننه ) من رواية أبي الزبير عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ثلاثة أصوات يباهي الله ، عز وجل ، بهن الملائكة : الأذان ، والتكبير في سبيل الله ، ورفع الصوت بالتلبية ) . وقال المحب الطبري ، غريب من حديث أبي الزبير عن جابر . ومنها : حديث عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، أخرجه البيهقي عنها ، قالت : ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما بلغنا الروحاء حتى سمعنا عامة الناس وقد بحت أصواتهم ) . ومنها : حديث أبي بكر الصديق ، رضي الله تعالى عنه ، أخرجه الترمذي عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( سئل : أي الحج أفضل ؟ قال : العج والثج ) ، العج بالعين المهملة رفع الصوت بالتلبية ، وقد عج يعج عجا فهو عاج وعجاج ، والثج ، بفتح الثاء المثلثة : سيلان دم الأضاحي ، يقال ثجه يثجه ثجا . ومنها : حديث سهل بن سعد أخرجه الحاكم عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : ( ما من ملب يلبِّي إلاَّ لبى ما عن يمينه وشماله من شجر وحجر حتى منقطع الأرض من هنا وهنا ، يعني : عن يمينه وشماله ) . وقال : صحيح على شرطهما ولم يخرجاه . وروى ابن أبي شيبة من حديث المطلب بن عبد الله . قال : ( كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أصواتهم بالتلبية حتى تثج أصواتهم ) وقال عبد الله بن عمر : ( إرفعوا أصواتكم بالتلبية ) وعن ابن الزبير مثله . وقال ابن بطال : رفع الصوت بالتلبية مستحب ، وبه قال أبو حنيفة والثوري والشافعي ، واختلفت الرواية عن مالك ، ففي رواية ابن القاسم : لا ترفع الأصوات بالتلبية إلاَّ في المسجد الحرام ومسجد منىً وقال الشافعي في قوله القديم لا يرفع الصوت بالتلبية في مساجد الجماعات إلا المسجد الحرام ومسجد منىً ومسجد عرفة . وقوله الجديد : استحبابه مطلقا وفي ( التوضيح ) : وعندنا أن التلبية المقترنة بالإحرام لا يجهر بها ، صرح به الجويني من أصحابنا . وأجمعوا أن المرأة لا ترفع صوتها بالتلبية ، وإنما عليها أن تسمع نفسها كأنهم لمحوا ما رواه ابن أبي شيبة عن معن عن إبراهيم بن أبي حبيبة عن داود بن حصين عن عكرمة عن ابن عباس ، قال : لا ترفع المرأة صوتها بالتلبية ، ومن حديث أبي الجويرية عن حماد عن إبراهيم مثله ، وعن عطاء كذلك ، ومن حديث عدي ابن أبي عيسى عن نافع عن ابن عمر : ليس على النساء أن يرفعن أصواتهن بالتلبية ، لكن يعارضه ما رواه بسند كالشمس : عن ابن مهدي عن سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه ، قال : خرج معاوية ليلة النفر فسمع صوت تلبية ، فقال : من هذا ؟ قالوا : عائشة اعتمرت من التنعيم ، فذكرت ذلك لعائشة ، فقالت : لو سألني لأخبرته . وعند وكيع : حدثنا إبراهيم بن نافع ، قال : قدمت امرأة أعجمية فخرجت مع الناس ولم تهل ، إلاَّ أنها كانت تذكر الله تعالى ، فقال عطاء : لا يجزيها . وفي ( الأشراف ) لابن المنذر : وقد روينا عن ميمونة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها أنها كانت تجهر بالتلبية ، واستدل بعضهم على جواز رفع المرأة صوتها بالإهلال بحديث رواه ابن حزم من طريق أبي سعيد بن الأعرابي عن زينب الأحمسية ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها ، في امرأة حجت معها مصمتة : قولي لها تتكلم ، فإنه لا حج لمن لا يتكلم ، وليس فيه دليل لأمرين : الأول : لا تعرض فيه للتلبية . الثاني : قال ابن القطان : ليس هو خبرا ، إنما هو أثر عن أبي بكر الصديق ، رضي الله تعالى عنه ، ومع ذلك فيه مجهولان ، وأوجب أهل الظاهر رفع الصوت بالإهلال ، ولا بد وهو فرض ولو مرة ، واستدل بحديث خلاد ابن السائب المذكور . قال : وفيه أمر ، والأمر للوجوب . وفي ( التوضيح ) : قام الإجماع على مشروعية التلبية ، وفيه مذاهب أحدها : أنها سنة ، قاله الشافعي والحسن بن حي . الثاني : أنها واجبة يجب بتركها دم . قاله أصحاب مالك لأنها نسك ، ومن ترك نسكا أراق دما . الثالث : أنها من شروط الإحرام ، لا يصح إلاَّ بها ، قاله الثوري وأبو حنيفة ، قال أبو حنيفة : لا يكون محرما حتى يلبي ويذكر ويسوق هديه ، قالا : كالتكبير للصلاة ، لأن ابن عباس قال : * ( فمن فرض فيهن الحج ) * ( البقرة : 791 ) . قال : الإهلال ، وعن عطاء وعكرمة وطاووس : هو التلبية . قال : وعندنا قول : إنه لا ينعقد إلا بها ، لكن يقوم مقامها سوق الهدي والتقيد والتوجه معه ، وفيه رد لقول أهل الظاهر في إجازتهم تقصير الصلاة في مقدار ما بين المدينة وذي الحليفة ، وفي أقل من ذلك لأنه إنما قصرها لأنه كان خارجا إلى مكة ، فلذلك قصرها بها .