العيني

165

عمدة القاري

مسعود أبو عبد الله الهزلي أحد الفقهاء السبعة ، مات سنة ثمان وتسعين . وأخرجه مسلم من حديث كريب مولى ابن عباس عن أسامة بن زيد ، قال : ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفات . . . الحديث ، وفيه : قال كريب : فأخبرني عبد الله بن عباس عن الفضل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة . وروى من حديث عطاء قال : أخبرني ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أردف الفضل من جمع ، قال : فأخبرني ابن عباس أن الفضل أخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة . ذكر معناه : قوله : ( ردف النبي صلى الله عليه وسلم ) بكسر الراء وسكون الدال المهملة وفي آخره فاء ، بمعنى : الرديف ، وهو الذي يركب خلف الراكب ، وكذلك الرديف ، وهكذا في رواية أحمد . قوله : ( من عرفة ) أي : من عرفات ، وهو اسم لموضع الوقوف . قوله : ( إلى المزدلفة ) ، بلفظ الفاعل من الإزدلاف ، وهو التقرب والتقدم لأن الحجاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها ، أي : تقربوا منها وتقدموا إليها ، وسميت بذلك لمجيء الناس في زلف من الليل ، وهو موضع بحرم مكة . قوله : ( الفضل ) هو ابن عباس بن عبد المطلب . قوله : ( فكلاهما ) أي : أسامة والفضل . قوله : ( حتى رمى جمرة العقبة ) ، أي : إلى أن رمى جمرة العقبة ، وهي حد منىً من الجانب الغربي من جهة مكة . ويقال له أيضا : الجمرة الكبرى ، والجمرة والحصاة ، وهنا اسم لمجتمع الحصى . ذكر ما يستفاد منه فيه : أن الحج راكبا أفضل ، وقد مر الخلاف فيه في : باب الحج على الرجل . وفيه : إرداف العالم . وفيه : التواضع بالإرداف للرجل الكبير والسلطان الجليل . وفيه : حجة لأبي حنيفة وصاحبيه والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وداود بن علي وأبي عبيد والطبري في قولهم : يلبي الحاج ولا يقطع التلبية حتى يرمي جمرة العقبة ، وهو المنقول أيضا عن عطاء بن أبي رباح وطاووس وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وابن أبي ليلى والحسن بن حي ، وروى ذلك عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وميمونة ، رضي الله تعالى عنهم . ثم اختلف بعض هؤلاء ، فقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأبو ثور : يقطع التلبية مع أول حصاة يرميها من جمرة العقبة . وقال أحمد وإسحاق وطائفة من أهل النظر والأثر : لا يقطعها حتى يرمي جمرة العقبة بأسرها ، قالوا : وهو ظاهر الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة ) ولم يقل : حتى رمى بعضها . قلت : روى البيهقي من حديث شريك عن عامر بن شقيق عن أبي وائل ( عن عبد الله : رمقت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة بأول حصاة ) . فإن قلت : أخرج ابن خزيمة في ( صحيحه ) : عن الفضل بن عباس قال : ( أفضت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفات ، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة ، يكبر مع كل حصاة ، ثم قطع التلبية مع آخر حصاة ) . قلت : قال البيهقي : هذه زيادة غريبة ليست في الروايات عن الفضل ، وإن كان ابن خزيمة قد اختارها . وقال الذهبي : فيه نكارة . وقوله : ( يكبر مع كل حصاة ) ، يدل على أنه قطع التلبية مع آخر حصاة . وقال سعيد بن المسيب ومحمد بن أبي بكر الثقفي ومالك وأصحابه وأكثر أهل المدينة : ( الحاج لا يلبي فيعرفة بل يكبر ويهلل ) . وروي ذلك عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وجابر بن عبد الله . ثم اختلفوا متى يقطع التلبية ؟ فقال سعيد بن المسيب والحسن البصري ومالك أصحابه : يقطعها إذا توجه إلى عرفات ، وروي نحو ذلك عن عثمان وعائشة ، وروي عنهما خلاف ذلك ، فقال الزهري والسائب بن يزيد وسليمان بن يسار وابن المسيب في رواية : ( يقطعها حين يقف بعرفات ) ، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص ، واحتج هؤلاء بحديث أسامة بن زيد ، أخرجه الطحاوي عنه أنه قال : ( كنت ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة فكان لا يزيد على التكبير والتهليل ، وكان إذا وجد فجوة نص ) . قوله : ( فجوة ) ، بفتح الفاء وضمها : وهي ما اتسع من الأرض وقد روى في ( الموطأ ) : فرجة . قوله : ( نص ) ، أي : رفع في سيره وأسرع ، والنص منتهى الغاية في كل شيء ، قاله في ( المطالع ) وفي رواية أحمد : ( فإذا التحم عليه الناس أعنق ، وإذا وجد فرجة نص ) . قوله : ( أعتق ) ، من العَنَق وهو : السير اليسير الذي تمد فيه الدابة عنقها للاستعانة ، وهو دون الإسراع . وأجيب : بأن ذلك لا يدل على نفي التلبية وخروج وقتها ، وقوله : لا يزيد على التكبير والتهليل ، يعني : الزيادة من جنسها .