العيني

160

عمدة القاري

فحديث أنس وأخرجه الستة ، خلا ابن ماجة ، من رواية محمد بن المنكدر عن أنس ، في حديث له قال فيه : فلما ركب راحلته واستوت به أهلَّ . ولأبي داود والنسائي من رواية الحسن ، فلما أتى على جبل البيداء أهلَّ ، وروى ابن ماجة من رواية عبد الله بن عبيد بن عمير عن ثابت عن أنس في حديث : فلما استوت به ناقته ، قال : لبيك بعمرة وحجة معا . وحديث المسور بن مخرمة أخرجه البخاري وأبو داود في قصة الحديبية ، وفيه : فلما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها . وحديث سعد رواه أبو داود من طريق إسحاق عن أبي الزناد عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص ، قالت : قال سعد : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أخذ طريق الفرع أهلَّ إذا استقلت به راحلته . وإذا أخذ طريق أُحُد أهل إذا أشرف على جبل البيداء . وحديث ابن عباس ، رواه مسلم من رواية أبي حسان الأعرج عنه ، وفيه : ثم ركب راحلته ، فلما استوت به على البيداء أهلَّ بالحج ، وفي رواية الدارقطني من حديث ابن عباس : ثم قعد على بعيره ، فلما استوى على البيداء أهل بالحج . وعن هذا اختلف العلماء في الموضع الذي أحرم منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال قوم : إنه أهل من مسجد ذي الحليفة . وقال آخرون : لم يهل إلاَّ بعد أن استوت به راحلته بعد خروجه من المسجد ، وروى ذلك أيضا عن ابن عمر وأنس وابن عباس وجابر ، وقال آخرون : بل أحرم حين أظل على البيداء . قال الطحاوي : وأنكر قوم أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم من البيداء ، روي ذلك عن موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه قال : ما أهل إلاَّ من ذي الحليفة ، قالوا : وإنما كان ذلك بعدما ركب راحلته ، واحتجوا بما رواه ابن أبي ذئب عن الزهري عن نافع عن ابن عمر عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أنه كان يهل إذا استوت به راحلته قائمة ، وكان ابن عمر يفعله . قالوا : وينبغي أن يكون ذلك بعدما تنبعث به راحلته ، واحتجوا بما رواه مالك عن المقبري عن عبيد بن جريج عن ابن عمر قال : لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته قائمة . انتهى . قلت : أراد الطحاوي بقوله : وأنكر قوم الزهري وعبد الملك بن جريج وعبد الله بن وهب ، فإنهم قالوا : ما أحرم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، إلاَّ من عند المسجد . قال الطحاوي : فلما اختلفوا في ذلك أردنا أن ننظر من أين جاء اختلافهم ، فروى سعيد بن جبير ، قال قلت : لابن عباس : كيف اختلف الناس في إهلال النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت طائفة : أهل في مصلاه ، وقالت طائفة : حين استوت به راحلته ، وقالت طائفة : حين علا البيداء ؟ وساق بقية كلامه نحو ما ذكره أبو داود ، ولفظه : عن سعيد بن جبير ، قال : قلت لابن عباس : يا أبا العباس ، عجبت لاختلاف الصحابة في إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : إني لأعلم الناس بذلك ، إنما كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة واحدة ، فمن هناك اختلفوا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجا ، فلما صلى في مسجد ذي الحليفة ركعتيه أوجب في مجلسه ، فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه ، فسمع ذلك منه أقوام فحفظوه عنه ، ثم ركب ، فلما استقلت به ناقته أهلَّ ، وأدرك ذلك منه أقوام ، وذلك أن الناس كانوا يأتون أرسالاً فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل ، فقالوا : إنما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استقلت به ناقته ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما علا شرف البيداء أهلَّ ، وأدرك ذلك منه أقوام ، فقالوا : إنما أهلَّ حين علا شرف البيداء ، وأيم الله ، لقد أوجب في مصلاه ، وأهلَّ حين استقلت به ناقته وأهل حين علا شرف البيداء . قال سعيد بن جبير : فمن أخذ بقول ابن عباس : أهل في مصلاه إذا فرغ من ركعتيه . وقال الطحاوي : فبين ابن عباس الوجه الذي جاء فيه اختلافهم ، وأن إهلال النبي صلى الله عليه وسلم الذي ابتدأ الحج ودخل فيه ، كان في مصلاه ، فبهذا نأخذ ، وهو قول أبي حنيفة ، وأبي يوسف ومحمد ومالك والشافعي وأحمد وأصحابهم . وقال الأوزاعي وعطاء وقتادة : المستحب الإحرام من البيداء . وقال البكري : البيداء هذه فوق علمي ذي الحليفة لمن صعد من الوادي ، وفي أول البيداء بئر ماء . 12 ( ( بابُ ما لاَ يَلْبَسُ المْحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ ) ) أي : هذا باب في بيان ما لا يلبس المحرم ، أي : ما لا يجوز لبسه للمحرم ، سواء كان محرما بحج أو بعمرة ، أو كان متمتعا أو قارنا . وقوله : ( من الثياب ) ، بيان لما قبله . 2451 حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عن عَبْدِ الله بنِ عُمَر