العيني
156
عمدة القاري
طيبت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قبل أن يحرم ، ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك . وروى ابن أبي شيبة عن شريك عن أبي إسحاق عن الأسود عنها : كان يتطيب قبل أن يحرم فيرى أثر الطيب في مفرقه بعد ذلك بثلاث . وروى أيضا عن ابن فضيل عن عطاء بن السائب عن إبراهيم عن الأسود عنها : ( رأيت وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث وهو محرم ) وعند النسائي : ( بعد ثلاث وهو محرم ) ، وفي أخرى : ( في أصول شعره ) ، وفي لفظ : ( إذا أراد أن يحرم ادَّهن بأطيب دهن يجده حتى أرى وبيصه في رأسه ولحيته ) . وعند الدارقطني من حديث ابن عقيل عن عروة عنها : ( كان رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، إذا أراد أن يحرم غسل رأسه بخطمي وأشنان ودهنه بزيت غير كثير ) . وفي ( مسند أبي محمد الدارمي ) : ( طيبت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، لحرمه وطيبته بمنى قبل أن يفيض ) . وعند أبي علي الطوسي : ( طيبته قبل أن يحرم ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك ) . ذكر معناه : قوله : ( يدهن بالزيت ) أي : عند الإحرام بشرط أن لا يكون مطيبا . وقال الكرماني . ( يدهن بالزيت ) أي : لا يتطيب . وتقدم في : باب من تطيب ، في كتاب الغسل أن ابن عمر قال : ما أحب أن أصبح محرما أنضح طيبا . قوله : ( فذكرته ) أي : قال منصور : ذكرت امتناع ابن عمر من التطيب لإبراهيم النخعي . قوله : ( ما تصنع بقوله ؟ ) أي : بقول ابن عمر ، أي : ماذا تصنع بقوله حيث ثبت ما ينافيه من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وقال الكرماني : يجوز أن يكون الضمير في : بقوله ، عائدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : فإن قلت : هذا فعل الرسول وتقريره لا قوله قلت : فعله في بيان الجواز ، كقوله . قوله : ( كأني أنظر ) أرادت بذلك قوة تحققها لذلك ، بحيث أنها لشدة استحضارها له كأنها ناظرة إليه . قوله : ( إلى وبيص ) ، بفتح الواو وكسر الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره صاد مهملة ، وهو : البريق ، والمراد : أثر الطيب لا جرمه . وقال الإسماعيلي : الوبيص زيادة على البريق ، والمراد به : التلألؤ ، وهو يدل على وجود عين قائمة ، لا الربح فقط . قوله : ( في مفارق ) جمع : مفرق ، وهو وسط الرأس ، وإنما جمع تعميما لجوانب الرأس التي يفرق فيها . وقال الجوهري : قولهم للمفرق مفارق كأنهم جعلوا كل موضع منه مفرقا . قوله : ( وهو محرم ) ، الواو في للحال . ذكر ما يستفاد منه : احتج به أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر في أن المحرم إذا تطيب قبل إحرامه بما شاء الطيب مسكا كان أو غيره ، فإنه لا بأس به ، ولا شيء عليه سواء كان مما يبقى عليه بعد إحرامه أو لا ولا يضره بقاؤه عليه ، وبه قال الشافعي وأصحابه وأحمد والثوري والأوزاعي ، وهو قول عائشة راوية الحديث ، وسعد بن أبي وقاص وابن عباس وابن الزبير ، وابن جعفر وأبي سعيد الخدري ، وجماعة من التابعين بالحجاز والعراق ، وفي ( شرح المهذب ) : استحبه عند إرادة الإحرام معاوية وأم حبيبة وابن المنذر وإسحاق وأبو ثور ، ونقله ابن أبي شيبة عن عروة بن الزبير عمر بن عبد العزيز وإبراهيم في رواية ، وذكره ابن حزم عن البراء بن عازب وأنس بن مالك وأبي ذر والحسين بن علي وابن الحنفية والأسود والقاسم وسالم وهشام بن عروة وخارجة بن زيد وابن جريج . وقال آخرون ، منهم عطاء والزهري وسعيد بن جبير وابن سيرين والحسن : لا يجوز أن يتطيب المحرم قبل إحرامه بما يبقى عليه رائحته بعد الإحرام ، وإذا أحرم حرم عليه الطيب حتى يطوف بالبيت ، وإليه ذهب محمد بن الحسن ، واختاره الطحاوي ، وهذا مذهب عمر وعثمان وابن عمر وعثمان بن العاص . وقال الطرطوشي : يكره الطيب المؤنث كالمسك والزعفران والكافور والغالية والعود ونحوها ، فإن تطيب وأحرم به فعليه الفدية ، فإن أكل طعاما فيه طيب ، فإن كانت النار مسته فلا شيء عليه ، وإن لم تمسه النار ففيه وجهان ، وأما غير المؤنث مثل الرياحين والياسمين والورد فليس من ذلك ولا فدية فيه أصلاً ، والطيب المؤنث طيب النساء : كالخلوق والزعفران ، قاله شمر . وأما شم الريحان ففي ( شرح المهذب ) : الريحان الفارسي والمرزنجوش واللينوفر والنرجس فيها قولان : أحدهما : يجوز شمها لما روي عن عثمان ، رضي الله تعالى عنه ، أنه سئل عن المحرم يدخل البستان قال : نعم ويشم الريحان . والثاني : لا يجوز لأنه يراد للرائحة ، فهو كالورد والزعفران ، والأصح تحريم شمها ووجوب الفدية ، وبه قال ابن عمر وجابر والثوري ومالك وأبو حنيفة وأبو ثور إلاَّ أن أبا حنيفة ومالكا يقولان : يحرم ولا فدية . وقال ابن المنذر