العيني

152

عمدة القاري

أي ينفخ ، وهو من الغطيط ، وهو صوت النفس المتردد من النائم . ويقال : الغطيط صوت به بحوحة وهو كغطيط النائم ، أي شخيره وصوته الذي يردده في حلقه ومع نفسه ، وسبب ذلك شدة الوحي ونقله ، وهو كقوله تعالى : * ( إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً ) * ( المزمل : 5 ) . قوله : ( ثم سري عنه ) بضم السين المهملة وكسر الراء المشددة ، أي : كشف عنه شيئا بعد شيء بالتدريج . وقال الكرماني : روي بتخفيف الراء المكسورة وتشديدها ، والرواية بالتشديد أكثر . قوله : ( اغسل الطيب الذي بك ) قد قلنا : إنه أعم من أن يكون بثوبه أو بدنه . قوله : ( ثلاث مرات ) ، مبالغة في الإزالة ، ولعل الطيب الذي كان على هذا الرجل كان كثيرا . ويؤيده قوله : ( متضمخ ) قلت : لأن باب التفعل وضع للمبالغة . قال القاضي : يحمل قوله : ثلاث مرات على قوله : فاغسله ، فكأنه قال : إغسله إغسله إغسله ثلاث مرات ، يدل على صحته ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في كلامه أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا . انتهى . وفي رواية أبي داود : أمره أن ينزعها نزعا ويغتسل مرتين أو ثلاثا . قوله : ( واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك ) ، وفي رواية الكشميهني : ( كما تصنع ) ، وفي لفظ للبخاري في أبواب العمرة : ( كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي . وفي مسلم ، من طريق قيس بن سعد عن عطاء : ( وما كنت صانعا في حجتك فاصنع في عمرتك ) ، ويدل هذا على أنه كان يعرف أعمال الحج قبل ذلك . وقال ابن العربي : كأنهم كانوا في الجاهلية يخلعون الثياب ويجتنبون الطيب في الإحرام إذا حجوا ، وكانوا يتساهلون في ذلك في العمرة ، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن مجراهما واحد . وقال ابن بطال : أراد الأدعية وغيرها مما يشترك فيه الحج والعمرة . وقال النووي ، كما قاله : وزاد : ويستثنى من الأعمال ما يختص به الحج ، وقال الباجي : المأجور غير نزع الثوب وغسل الخلوق ، لأنه صرح له بهما فلم يبق إلاَّ الفدية . وفيه نظر ، لأن فيه حصرا وقد تبين فيما رواه مسلم من أن المأمور به الغسل والنزع ، وذلك في روايته من طريق سفيان عن عمرو بن دينار عن عطاء عن صفوان بن يعلى عن أبيه قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم يعني : رجلاً ، وهو بالجعرانة وأنا عند النبي صلى الله عليه وسلم وعليه مقطفات ، يعني : جبة وهو متضمخ بالخلوق ، فقال : أني أحرمت بالعمرة ، وعلى هذا : وأنا متضمخ بالخلوق ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك . قوله : ( فقلت لعطاء ) القائل هو ابن جريج . ذكر ما يستفاد منه فيه : جواز نظر الرجل إلى غيره وهو مغطى بشيء وإدخال رأسه في غطائه إذا علم أنه لا يكره ذلك منه ، فإن يعلى أدخل رأسه فيما أظل به ، صلى الله عليه وسلم ، لأنه علم أنه لا يكره ذلك في ذلك الوقت ، لأن فيه تقوية الإيمان بمشاهدة حال الوحي الكريم ، وكذلك عمر ، رضي الله تعالى عنه ، علم ذلك من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، حتى قال للرجل : تعالى فانظر . وفيه : أن المفتي إذا لم يعلم حكم المسألة أمسك عن جوابها حتى يعلمه . وفيه : أن من الأحكام التي ليست في القرآن ما هو بوحي لا يتلى . وفيه : أنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر الرجل بالفدية ، فأخذ به الشافعي والثوري وعطاء وإسحاق وداود وأحمد في رواية ، وقالوا : إن من لبس في إحرامه ما ليس له لبسه جاهلاً ، فلا فدية عليه ، والناسي في معناه . وقال أبو حنيفة والمزني في رواية عنها : يلزمه إذا غطى رأسه ووجهه متعمدا أو ناسيا يوما إلى الليل ، فإن كان أقل من ذلك فعليه صدقة يتصدق بها . وعن مالك : يلزمه إذا انتفع بذلك أو طال لبسه عليه . وفيه : المبالغة في الإنقاء من الطيب . وفيه : أن المحرم إذا كان عليه مخيط نزعه ولا يلزمه تمزيقه ولا شقه ، خلافا للنخعي والشعبي حيث قالا : لا ينزعه من قبل رأسه لئلا يصير مغطيا رأسه ، أخرجه ابن أبي شيبة عنهما ، وعن علي ، رضي الله تعالى عنه ، نحوه ، وكذا عن الحسن وأبي قلابة ، وقد وقع عند أبي داود ، رضي الله تعالى عنه ، بلفظ : ( إخلع عنك الجبة ، فخلعها من قِبَل رأسه ) . وعن أبي صالح وسالم : يخلعه من قبل رجليه ، وعن جعفر بن محمد عن علي ، رضي الله تعالى عنه : إذا أحرم وعليه قميص لا ينزعه من رأسه ، بل يشقه ثم يخرج منه ، وفيه : اختلف العلماء في استعمال الطيب عند الإحرام ، واستدامته بعده ، فكرهه قوم ومنعوه ، منهم مالك ومحمد بن الحسن ، ومنعهما عمر وعثمان وابن عمر وعثمان بن أبي العاص وعطاء والزهري ، وخالفهم في ذلك آخرون ، فأجابوه منهم أبو حنيفة والشافعي تمسكا بحديث عائشة ، رضي الله تعالى عنه : ( طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي لحرمه حين أحرم ، ولحله حين أحل قبل أن يطوف بالبيت ) ، ولمسلم : بذريرة في حجة الوداع ، وفي رواية للبخاري كما سيأتي : ( وطيبته بمنىً قبل أن يفيض ) . وعنها : ( كأني