العيني

141

عمدة القاري

ذكر ما يستفاد منه فيه : أن هذه المواقيت المذكورة لأهل هذه البلاد ، واختلفوا هل الأفضل التزام الحج منهن . أو من منزله ، فقال مالك وأحمد وإسحاق : إحرامه من المواقيت أفضل ، واحتجوا بحديث الباب وشبهه . وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي وآخرون : الإحرام من المواقيت رخصة ، واعتمدوا في ذلك على فعل الصحابة ، رضي الله تعالى عنهم ، فإنهم أحرموا من قبل المواقيت ، وهم ابن عباس وابن مسعود وابن عمر وغيرهم ، قالوا : وهم أعرف بالسنة ، وأصول أهل الظاهر تقتضي أنه لا يجوز الإحرام إلاَّ من الميقات إلاَّ أن يصح إجماع على خلافه . قال أبو عمر : مالك أن يحرم أحد قبل الميقات ، وروي عن عمر بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنه ، أنه أنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة ، وأنكر عثمان بن عفان على عبد الله بن عامر إحرامه قبل الميقات . وفي تعليق للبخاري : كره عثمان أن يحرم من خراسان وكرمان ، وكره الحسن وعطاء بن أبي رباح الإحرام من الموضع البعيد ، وقال ابن بزيزة : في هذا ثلاثة أقوال : منهم من جوزه مطلقا ، ومنهم من كرهه مطلقا ، ومنهم من أجازه في البعيد دون القريب . وقال الشافعي وأبو حنيفة الإحرام من قبل هذه المواقيت أفضل لمن قوي على ذلك ، وقد صح أن علي بن أبي طالب وابن مسعود وعمران بن حصين وابن عباس وابن عمر أحرموا من المواضع البعيدة ، وعند ابن أبي شيبة أن عثمان بن العاص أحرم من المنجشانية ، وهي قرية من البصرة ، وعن ابن سيرين أنه أحرم هو وحميد بن عبد الرحمن ومسلم بن يسار من الدارات ، وأحرم أبو مسعود من السيلحين . وعن أم سلمة ، رضي الله تعالى عنها ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من أهل بعمرة من بيت المقدس غفر له ، وفي رواية أبي داود : من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، ووجبت له الجنة . شك عبد الله أيتهما قال . قلت : عبد الله هو ابن عبد الرحمن أحد رواه الحديث ، وقال أبو داود : يرحم الله وكيعا ، أحرم من بيت المقدس ، يعني : إلى مكة ، وأحرم ابن سيرين مع أنس من العقيق ومعاذ من الشام ومعه كعب الحبر ، وقال ابن حزم : ولا يحل لأحد أن يحرم بالحج أو بالعمرة قبل المواقيت ، فإن أحرم أحد قبلها وهو يمر عليها فلا إحرام له ولا حج ، ولا عمرة له إلاَّ أن ينوي إذا صار في الميقات تحديد إحرام ، فذلك جائز ، وإحرامه حينئذ تام . وفيه : من أتى على ميقات من المواقيت لا يتجاوز غير محرم عند أبي حنيفة سواء قصد دخول مكة أو لم يقصد . وقال القرطبي : أما من مر على الميقات قاصدا دخول مكة من غير نسك ، وكان ممن لا يتكرر دخوله إليها ، فهل يلزمه دم أو لا ؟ اختلف فيه أصحابنا ، وظاهر الحديث أنه إنما يلزم الإحرام من أراد مكة لأحد النسكين ، خاصة وهو مذهب الزهري وأبي مصعب في آخرين ، وقال ابن قدامة : أما المجاوز للميقات ممن لا يريد النسك فعلى قسمين : أحدهما : لا يريد دخول مكة بل يريد حاجة فيما سواها ، فهذا لا يلزمه الإحرام بلا خلاف ، ولا شيء عليه في تركه الإحرام لأنه صلى الله عليه وسلم أتى بدرا مرتين ولم يحرم ، ولا أحد من أصحابه ، ثم بدأ لهذا الإحرام وتجدد له العزم عليه أن يحرم من موضعه ، ولا شيء عليه ، هذا ظاهر كلام الحرقي ، وبه يقول مالك والثوري والشافعي وصاحبا أبي حنيفة ، وحكى ابن المنذر عن أحمد في الرجل يخرج لحاجة وهو لا يريد الحج ، فجاوز ذا الحليفة ثم أراد الحج يرجع إلى ذي الحليفة فيحرم ؟ وبه قال إسحاق . القسم الثاني : من يريد دخول الحرم إما إلى مكة أو غيرها ، فهم على ثلاثة أضرب : أحدها من يدخلها لقتال مباح أو من خوف أو لحاجة متكررة كالحشاش والحطاب وناقل الميرة ، ومن كانت له ضيعة يتكرر دخوله وخروجه إليها ، فهؤلاء لا إحرام عليهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوم فتح مكة حلالاً وعلى رأسه المغفر ، وكذا أصحابه ، ولا نعلم أن أحدا منهم أحرم يومئذ ، ولو وجب الإحرام على من يتكرر دخولها أفضى إلى أن يكون جميع زمنه محرما ، وبهذا قال الشافعي . 8 ( ( بابُ ميقَاتِ أهْلِ المَدينَةِ وَلا يُهِلُّونَ قَبْلَ ذِي الحلَيْفَةِ ) ) أي : هذا باب في بيان ميقات أهل المدينة . قوله : ( ولا يهلوا ) يجوز أن يقدر فيه : أن ، الناصبة فيكون التقدير : وأن لا يهلوا ، وتكون الجملة معطوفة على ما قبلها ، والتقدير : وفي بيان أن لا يهلوا قبل ذي الحليفة ، والضمير الذي فيه يرجع إلى أهل المدينة ، فإذا كان أهل المدينة ليس لهم أن يهلوا قبل ذي الحليفة ، فكذلك من يأتي إليها من غير أهلها ، ليس لهم أن يهلُّوا قبلها ، فهذه العبارة تشير إلى أن البخاري ممن لا يرى تقديم الإهلال قبل المواقيت .