العيني

128

عمدة القاري

عن نفسه لا يحج عن غيره . وقال النووي : هذا مبني على أن الحج على الفور أو التراخي ، فذهب الشافعي إلى أنه على التراخي ، وبه قال الأوزاعي والثوري ومحمد بن الحسن ، وهو المروي عن ابن عباس وأنس وجابر وعطاء وطاووس . وقال مالك وأبو يوسف : هو على الفور ، وهو قول المزني وقول جمهور أصحاب أبي حنيفة ، ولا نص لأبي حنيفة في ذلك . وقال أبو يوسف : مذهبه يقتضي أنه على الفور ، وهو الصحيح ، ذكره الطرطوشي واحتج لهم بما رواه الحاكم من حديث مهران بن أبي صفوان عن ابن عباس يرفعه : ( من أراد الحج فليعجل ) وقال أبو زرعة : مهران لم يعرف ، وقال الحاكم : كان مولى لقريش ولا يعرف بجرح ، وذكره ابن حبان في ( الثقات ) وصحح حديثه أيضا أبو محمد الإشبيلي ، وفي لفظ لأبي داود ، من حديث إسماعيل بن أبي إسحاق الملائي فيه لين ، عن فضيل بن عمرو عن سعيد بن جبير عن عبد الله ، أو عن الفضل أو أحدهما عن الآخر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أراد الحج فليعجل فإنه قد يمرض المريض وتضل الضالة وتعرض الحاجة ) . وفي ( مسند أحمد ) : ( تعجلوا إلى الحج ، يعني الفريضة ، فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له ) . واحتج الشافعي وأصحابه بأن فريضة الحج نزلت بعد الهجرة ، وكان الفتح في رمضان سنة ثمان ، فأقام عتاب للناس الحج سنة ثمان بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مقيما بالمدينة ومعه عامة أصحابه ، ثم غزا تبوك سنة تسع ولم يحج ، وكان انصرافه عنها قبل الحج ، فبعث أبا بكر ، رضي الله تعالى عنه ، فأقام للناس الحج تلك السنة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم معتمر هو وأزواجه وأصحابه مع القدرة على الحج ، ثم حج سنة عشر ، فدل على جواز التأخير . وفيه : دليل على أن المرأة يجوز لها أن تحج عن الرجل ، وهو حجة علي الحسن بن حي ، رحمه الله تعالى ، في منعه عن ذلك ، وفيه : بر الوالدين بالقيام بمصالحهما من قضاء الديون وغيره . وفيه : جواز أن يقال : حجة الوداع بدون كراهة . 2 ( ( بابُ قَوْلِ الله تعالى * ( يأتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرِ يَأتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ ) * ( الحج : 72 ) . ) ) أي : هذا باب في ذكر قول الله تعالى : * ( يأتوك . . . ) * ( الحج : 72 ) . إلى آخره . وإنما ذكر هذه الآية مترجما بها تنبيها على أن اشتراط الراحلة في وجوب الحج لا ينافي جواز الحج ماشيا مع القدرة على الراحلة وعدم القدرة ، لأن الآية اشتملت على المشاة والركبان ، وذلك أن سبب نزول الآية أنهم كانوا لا يركبون على ما روى الطبراني ، رحمه الله تعالى ، من طريق عمرو بن ذر ، رحمه الله تعالى . قال : قال مجاهد ، رضي الله تعالى عنه : كانوا لا يركبون ، فأنزل الله تعالى : * ( يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر ) * ( الحج : 72 ) . فأمرهم بالزاد ورخص لهم في الركوب والمتجر ، وأول الآية : * ( وأذن في الناس بالحج يأتوك . . . ) * ( الحج : 72 ) . الآية . قال المفسرون : لما فرغ إبراهيم ، صلى الله عليه وسلم ، من بناء البيت أمره الله تعالى أن يؤذن . قال إبراهيم صلى الله عليه وسلم : يا رب وما يبلغ أذاني ؟ قال : أذن وعلي البلاغ . فقام بالمقام ، وقيل : على جبل أبي قبيس ، وأدخل إصبعيه في أذنيه ، وأقبل بوجهه يمينا وشمالاً وشرقا وغربا ، وقال : يا أيها الناس ! إن الله يدعوكم إلى الحج ببيته الحرام ، فاسمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء ممن سبق في علم الله تعالى أن يحج ، فأجابوا : لبيك اللهم لبيك ، فمن أجاب يومئذ بعدد حج على قدره ، قيل : أول من أجابه أهل اليمن فهم أكثر الناس حجا ، وهذا قول الجمهور . وقال قوم : المأمور بالتأذين محمد صلى الله عليه وسلم أمر أن يفعل ذلك في حجة الوداع ، والتوفيق بين القولين أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمره الله بذلك إحياء لسنة إبراهيم عليه الصلاة والسلام . قلت : * ( يأتوك ) * ( الحج : 72 ) . على القول الأول خطاب لإبراهيم ، صلى الله عليه وسلم ، وعلى القول الثاني لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو مجزوم لأنه جواب الأمر ، وهو قوله : * ( أذِّنْ ) * ( الحج : 72 ) . قوله : * ( رجالاً ) * ( الحج : 72 ) . نصب على الحال من الضمير الذي في * ( يأتوك ) * ( الحج : 72 ) . وهو جمع راجل ، كذا قاله أبو عبيد في ( كتاب المجاز ) نحو : صحاب وصاحب ، وعن ابن عباس رجالاً ، رجالة ، وقرأ عكرمة مشددا ، وقرأ مجاهد مخففا . وقال الجوهري : جمع الراجل رجل ، مثل صاحب وصحب ، ورجالة ورجال ، والأراجيل جمع الجمع . قوله : * ( وعلى كل ضامر ) * ( الحج : 72 ) . من الضمور ، وهو الهزال ، وقال أبو الليث : * ( وعلى كل ضامر ) * ( الحج : 72 ) . يعني : الإبل وغيرها ، فلا يدخل بعير ولا غيره الحرم إلاَّ