العيني

116

عمدة القاري

نظر لأنه يتعلق بالمقدار لا بأصل الإخراج . قلت : إذا كان المقدار واجبا فبالضرورة يدل على وجوب الأصل لأن وجوب المقدار مبني عليه . قوله : ( قال عبد الله ) أي : عبد الله بن عمر . قوله : ( فجعل الناس ) أراد به معاوية ومن تبعه ، ووقع ذلك صريحا في حديث أيوب عن نافع أخرجه الحميدي في ( مسنده ) عن سفيان بن عيينة ، حدثنا أيوب ولفظه : ( صدقة الفطر صاع من شعير أو صاع من تمر ، قال ابن عمر : فلما كان معاوية عدل الناس نصف صاع بر بصاع من شعير . . . ) وهكذا أخرجه ابن خزيمة في ( صحيحه ) من وجه آخر عن سفيان ، وقال أبو داود : حدثنا الهيثم بن خالد الجهني ، حدثنا حسين بن علي الجعفي عن زائدة حدثنا عبد العزيز بن أبي داود ( عن نافع عن عبد الله بن عمر ، قال : كان الناس يخرجون صدقة الفطر على عهد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، صاعا من شعير أو تمر أو سلت أو زبيب ، قال عبد الله : فلما كان عمر ، رضي الله تعالى عنه ، وكثرت الحنطة جعل عمر نصف صاع حنطة مكان صاع من تلك الأشياء ) . وقال مسلم في ( كتاب التمييز ) . عبد العزيز وهم فيه وأعله ابن الجوزي به ، وقال صاحب ( التنقيح ) : وعبد العزيز هذا ، وإن كان ابن حبان تكلم فيه ، فقد وثقه يحيى القطان وابن معين وأبو حاتم الرازي وغيرهم ، والموثقون له أعرف من المضعفين ، وقد أخرج له البخاري استشهادا . وقال الطحاوي ، رحمه الله : حدثنا فهد ، قال : حدثنا عمرو بن طارق ، قال : حدثنا يحيى بن أيوب عن يونس بن يزيد أن نافعا أخبره قال : ( قال عبد الله بن عمر ، رضي الله تعالى عنهما : فرض رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير على كل إنسان ذكر أو أنثى حر أو عبد من المسلمين ) ، وكان عبد الله بن عمر يقول : جعل الناس عدله مدين من حنطة ، فقول ابن عمر : جعل الناس عدله مدين من حنطة إنما يريد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يجوز تعديلهم ويجب الوقوف عند قولهم ، فإنه قد روي عن عمر مثل ذلك في كفارة اليمين أنه قال ذلك ، فأطعم عني عشرة مساكين كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو شعير ، ويروى عن علي ، رضي الله تعالى عنه ، مثل ذلك مع أنه قد روي عن عمر وعن أبي بكر ، رضي الله تعالى عنهما أيضا ، وعن عثمان بن عفان ، رضي الله تعالى عنه ، في صدقة الفطر أنها من الحنطة نصف صاع . وقال أبو داود : حدثنا عبد الله بن مسلم حدثنا داود يعني ابن قيس عن عياض بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري قال : كنا نخرج ، إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، زكاة الفطر عن كل صغير وكبير حر أو مملوك صاعا من طعام أو صاعا من أقط أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر أو صاعا من زبيب ، فلم نزل نخرجه حتى قدم معاوية حاجا أو معتمرا فكلم الناس على المنبر فكان فيما كلم الناس أن قال : إني أرى مدين من سمراء الشام تعدل صاعا من تمر ، فأخذ بذلك الناس ، فقال أبو سعيد : فأما أنا فلا أزال أخرجه أبدا ما عشت ) . وقال النووي : هذا الحديث معتمد أبي حنيفة ، قال بأنه فعل صحابي ، وقد خالفه أبو سعيد وغيره من الصحابة ممن هو أطول صحبة منه وأعلم بحال النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد أخبر معاوية بأنه رأي رآه ، لا قول سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ، قلنا : إن قوله : فعل صحابي ، لا يمنع لأنه قد وافقه غيره من الصحابة الجم الغفير بدليل قوله في الحديث : فأخذ الناس بذلك ، ولفظ الناس للعموم ، فكان إجماعا . ولا تضر مخالفة أبي سعيد لذلك بقوله : أما أنا فلا أزال أخرجه ، لأنه لا يقدح في الإجماع ، سيما إذا كان فيه الخلفاء الأربعة ، أو نقول : أراد الزيادة على قدر الواجب تطوعا . قوله : ( من سمراء الشام ) ، بفتح السين المهملة وسكون الميم وبعدها راء ممدودة ، وهو البر الشامي ، وينطلق على كل بر . قوله : ( عدله ) ، بفتح العين وكسرها ، قاله الكرماني ، والأظهر أنه بالكسر أي : نظيره . وقال الأخفش : العدل ، بالكسر المثل ، وبالفتح مصدر عدلته بهذا ، وقال الفراء ، بالفتح ما عادل الشيء من غير جنسه ، وبالكسر : المثل . قوله : ( مدين ) ، تثنية مدّ ، وهو ربع الصاع . 57 ( ( بابُ صَاعٍ مِنْ زَبِيبٍ ) ) أي : هذا باب قوله : ( صاعٌ ) ، مبتدأ ، وقوله : ( من زبيب ) صفته أي : صاع كائن من زبيب ، وخبره محذوف تقديره : صاع من زبيب في صدقة الفطر مجزىء ، ولما كان حديث أبي سعيد الخدري مشتملاً على خمسة أصناف وضع لكل صنف ترجمة ، غير الأقط تنبيها على جواز التخيير بين هذه الأشياء في دفع الصدقة ، ولم يذكر الأقط كأنه لا يراه مجزئا عند وجود غيره ، كما هو مذهب أحمد .