العيني

88

عمدة القاري

قلت : الشق أعم من ذلك ، فمن أين أخذ أن المراد ما ذكره ؟ فإذا شق جيبه من ورائه أو من يمينه أو من يساره لا يكون داخلاً فيه . قوله : ( ودعا بدعوى الجاهلية ) ، وفي رواية مسلم : ( بدعوى أهل الجاهلية ) ، وهي زمان الفترة قبل الإسلام ، والمراد أنه قال في البكاء مما يقوله أهل الجاهلية مما لا يجوز في الشريعة ، كقولهم : واجبلاه واعضداه ، ونحو ذلك . 63 ( ( بابٌ رَثَا النبيُّ صلى الله عليه وسلم سَعْدَ بنَ خَوْلَةَ ) ) أي : هذا باب في بيان رثاء النبي صلى الله عليه وسلم . الرثاء ، بكسر الراء وتخفيف الثاء المثلثة ممدودا : من رثيت الميت مرثية إذا عددت محاسنه ، ورثأت ، بالهمزة : لغة فيه . ويروى : باب رثى النبي ، صلى الله عليه وسلم ، سعد بن خولة ، بلفظ الماضي ، فعلى هذا لفظ : باب ، منون مقطوع عن الإضافة ، ويروى : باب رثى النبي صلى الله عليه وسلم ، بالقصر ، و : سعد بن خولة منصوب على كل حال على المفعولية ، وفي الوجهين : المصدر مضاف إلى فاعله ، وهو لفظ النبي مجرور بالإضافة . وفي الوجه الثالث ، وهو كونه ماضيا ، يكون لفظ النبي مرفوعا على الفاعلية ، وذكر الكرماني وجها آخر : وهو أن تكون الراء مفتوحة والثاء ساكنة وفي آخره ياء ، مصدر من رثى يرثي رثيا . فإن قلت : روى أحمد وابن ماجة من حديث عبد الله بن أبي أوفى ، قال : ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المراثي ) ، وصححه الحاكم فإذا نهي عنه كيف يفعله ؟ قلت : ليس مراده من هذه الترجمة أنه من باب المراثي وإنما هو إشفاق من النبي صلى الله عليه وسلم من موت سعد بن خولة بمكة بعد هجرته منها ، فكأنه توجع عليه وتحزن من ذلك ، وهذا مثل قول القائل للحي : أنا أرثي لك مما يجري عليك كأنه يتحزن له ، وأيضا فقد ذكر القرطبي أن الذي قال يرثى له رسول الله صلى الله عليه وسلم غير النبي صلى الله عليه وسلم هذا ظاهره ، وقيل : هو من قول سعد بن أبي وقاص : جاء ذلك في بعض طرقه ، وأكثر الناس أن ذلك من قول الزهري ، وسعد بن خولة ، بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو : من بني عامر بن لؤي ، وقيل : حليف لهم ، وقيل : مولى ابن أبي رهم العامري من السابقين ، بدري توفي عن سبيعة الأسلمية سنة عشر بمكة . 5921 حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عامِرِ بنِ سَعْدِ بنِ أبِي وَقَّاصٍ عنْ أبِيهِ رضي الله تعالى عنهُ قال كانَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَعُودُنِي عامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي فَقُلْتُ إنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الوَجَعِ وَأنا ذو مال وَلاَ يَرِثُنِي إلاَّ ابْنَةٌ أفأتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مالي قالَ لاَ فَقُلْتُ بِالشَّطْرِ فَقالَ لاَ ثُمَّ قال الثُّلُثُ وَالثّلُثُ كَبِيرٌ أوْ كَثِيرٌ إنَّكَ أنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أنْ تَذَرَهُمْ عالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ وَإنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقةً تَبْتَغِي وَجْهَ الله إلاَّ أُجِرْتَ بِهَاحَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي في امْرَأتِكَ فَقُلْتُ يا رَسولَ الله أُخَلَّفُ بَعْدَ أصْحَابِي . قالَ إنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلاً صالِحا إلاَّ ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً ثُمَّ لَعَلَّكَ أنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ اللَّهُمَّ أمْضِ لأِصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلاَ تَرُدُّهُمْ عَلَى أعْقَابِهِم لاكِنِ البَائِسُ سَعْدُ بنُ خَوْلَةَ يَرْثِي لَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ مَات بِمَكَّةَ . . مطابقته للترجمة في قوله : ( لكن البائس سعد بن خولة . . ) إلى آخره ، هذا التطابق إنما يوجد إذا كان الذي يرثي سعد ابن خولة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم . وإما إذا كان غيره ، كما ذكرنا ، فلا تطابق إلاَّ إذا قلنا : إنه من النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن المعنى : هو الاشفاق والتوجع وإظهار التحزن كما ذكرنا . ورجال الحديث قد تكرر ذكرهم وابن شهاب هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، وعامد وسعد تقدما في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري في عشرة مواضع : في المغازي عن أحمد بن يونس ، وفي الدعوات عن موسى بن إسماعيل ، وفي الهجرة عن يحيى بن قزعة ، وفي الطب عن موسى بن إسماعيل ، وفي الفرائض عن أبي اليمان ،