العيني

79

عمدة القاري

الأحاديث ، ويدل على عدم إرادة العموم من البكاء بكاء عمر بن الخطاب وهو راوي الحديث بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذلك بكاء ابنه عبد الله بن عمر وهما راويا الحديث ، وذلك فيما رواه ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) من حديث عائشة ، قالت : حضره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يعني : سعد بن معاذ فوالذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وإني لفي حجرتي ، وروى ابن أبي شيبة أيضا من رواية عثمان ، قال : أتيت بنعي النعمان بن مقرن فوضع يده على رأسه وجعل يبكي ، وروى أيضا عن ابن علية عن نافع ، قال : كان ابن عمر في السوق فنعى إليه حجر ، فأطلق حبوته وقام وعليه النحيب . الرابع : نسبة عائشة عمر وابنه عبد الملك إلى الوهم في الحديث المذكور ، وقد اختلف في محمل الحديثين ، فقال الخطابي : يحتمل أن يكون الأمر في هذا على ما ذهبت إليه عائشة ، لأنها قد روت أن ذلك إنما كان في شأن يهودي ، والخبر المفسر أولى من المجمل ، ثم احتجت بالآية . قال : وقد يحتمل أن يكون ما رواه ابن عمر صحيحا من غير أن يكون فيه خلاف للآية ، وذلك أنهم كانوا يوصون أهليهم بالبكاء والنوح عليهم ، وكان ذلك مشهورا من مذاهبهم ، وهو موجود في أشعارهم كقول طرفة بن العبد : * إذا مت فانعيني بما أنا أهله * وشقي علي الجيب يا أم معبد * ومثل هذا كثير في أشعارهم ، وإذا كان كذلك فالميت إنما تلزمه العقوبة في ذلك بما تقدم في ذلك من أمره إياهم بذلك وقت حياته ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها ، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ) . وقد مال إلى قول عائشة الشافعي فيما رواه البيهقي في ( سننه ) عنه ، فقال : وما روت عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أشبه أن يكون محفوظا عنه ، صلى الله عليه وسلم ، بدلالة الكتاب ثم السنة . أما الكتاب فقوله تعالى : * ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) * ( الأنعام : 461 ، الإسراء : 51 ، فاطر : 81 ، والزمر : 07 ) . وقوله تعالى : * ( وإن ليس للإنسان إلا ما سعى ) * ( النجم : 93 ) . وقوله تعالى : * ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) * ( الزلزلة : 7 و 8 ) . وقوله تعالى : * ( لتجزى كل نفس بما تسعى ) * ( طه : 51 ) . وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم لرجل : هذا ابنك ؟ قال : نعم ، قال : أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه ، فأعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما أعلم الله من أن جناية كل امرئ عليه كما عمله لا لغيره . وأما قول من حمل ذلك على الوصية بذلك فقد نقله البيهقي عن المزني ، ونقله النووي عن الجمهور أنهم تأولوا ذلك على من وصى أن يبكى عليه ويناح بعد موته ، فنفذت وصيته . ثم حكى النووي عن طائفة أنه : محمول على من أوصى بالبكاء والنوح ، أو لم يوص بتركهما ، قال : وحاصل هذا القول إيجاب الوصية بتركهما ، ومن أهملهما عذب بتركهما ، وحكى عن طائفة أن معنى الأحاديث أنهم كانوا ينوحون على الميت ويندبونه بأشياء هي محاسن في زعمهم ، وهي في الشرع قبائح ، كقولهم : يا مرمل النسوان ، وموتم الولدان ، ومخرب العمران ، ومفرق الأخدان . ويروى ذلك شجاعة وفخرا . وحكى عن طائفة أن معناه أنه يعذب بسماع بكاء أهله ويرق لهم . قال : وإلى هذا ذهب محمد بن جرير الطبري وغيره . قال القاضي عياض : وهو أولى الأقوال ، واحتجوا بحديث فيه : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر امرأة عن البكاء على ابنها ، وقال : إن أحدكم إذا بكى استعبر له صويحبه ، فيا عباد الله لا تعذبوا إخوانكم ) . وحكى الخطابي عن بعض أهل العلم : ذهب إلى أنه مخصوص ببعض الأموات الذين وجب عليهم العذاب بذنوب اقترفوها ، وجرى من قضاء الله سبحانه فيهم أن يكون عذابه وقت البكاء عليهم ، ويكون كقولهم : مطرنا بنوءِ كذا ، أي : عند نوء كذا . قال : كذلك قوله : ( إن الميت يعذب ببكاء أهله ) أي : عند بكائهم عليه لاستحقاقه ذلك بذنبه ، ويكون ذلك حالاً لا سببا ، لأنا لو جعلناه سببا كان مخالفا للقرآن ، وهو قوله تعالى : * ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) * ( الأنعام : 461 ، الإسراء : 51 ، فاطر : 81 ، والزمر : 7 ) . وحكى النووي هذا المعنى عن عائشة ، قيل : ويدل لذلك ما رواه مسلم عن عروة ، قال : ذكر عند عائشة أن ابن عمر ، رضي الله تعالى عنهما ، يرفع إلى النبي ، صلى الله عليه وسلم : ( إن الميت ليعذب في قبره ببكاء أهله ، فقالت : وَهَلَ ، إنما قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه ، وإن أهله ليبكون عليه الآن ) . وروى أن ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) : عن ابن نمير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة بعد قولها : وَهَلَ أبو عبد الرحمن إنما قال : إن أهل الميت ليبكون عليه وإنه ليعذب بجرمه . والحاصل أن العلماء ذكروا في قوله ، صلى الله عليه وسلم : ( إن الميت يعذب ببكاء أهله ) ثمانية أقوال ، أصحها وهو تأويل الجمهور على أنه محمول على من أوصى به ، وإليه ذهب البخاري في قوله : إذا كان النوح من سنته . وقال الكرماني : يجوز التعذيب في الدنيا