العيني

70

عمدة القاري

الزيارة لأن زوارات للمبالغة ، ويمكن أن يقال : إن النساء إنما يمنعن من إكثار الزيارة لما يؤدي إليه الإكثار من تضييع حقوق الزوج والتبرج والشهرة والتشبه بمن يلازم القبور لتعظيمها ، ولما يخاف عليها من الصراخ وغير ذلك من المفاسد ، وعلى هذا يفرق بين الزائرات والزوارات . وفي ( التوضيح ) : وحديث بريدة صريح في نسخ نهي زيارة القبور ، والظاهر أن الشعبي والنخعي لم يبلغهما أحاديث الإباحة . وكان الشارع يأتي قبور الشهداء عند رأس الحول فيقول : السلام عليكم بما صبرتم ، فنعم عقبى الدار ، وكان أبو بكر وعمر وعثمان ، رضي الله تعالى عنهم ، يفعلون ذلك ، وزار الشارع قبر أمه ، يوم الفتح في ألف مقنع ذكره ابن أبي الدنيا ، وذكر ابن أبي شيبة عن علي وابن مسعود وأنس ، رضي الله تعالى عنهم ، إجازة الزيارة ، وكانت فاطمة ، رضي الله تعالى عنها ، تزور قبر حمزة ، رضي الله تعالى عنه ، كل جمعة . وكان عمر ، رضي الله تعالى عنه ، يزور قبر أبيه فيقف عليه ويدعو له ، وكانت عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، تزور قبر أخيها عبد الرحمن وقبره بمكة ، ذكره أجمع عبد الرزاق . وقال ابن حبيب : لا بأس بزيارة القبور والجلوس إليها والسلام عليها عند المرور بها ، وقد فعل ذلك رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وسئل مالك عن زيارة القبور ؟ فقال : قد كان نهى عنه ثم أذن فيه ، فلو فعل ذلك إنسان ولم يقل إلاَّ خيرا لم أر بذلك بأسا . وفي ( التوضيح ) أيضا : والأمة مجمعة على زيارة قبر نبينا ، صلى الله عليه وسلم ، وأبي بكر وعمر ، رضي الله تعالى عنهما . وكان ابن عمر إذا قدم من سفر أتي قبره المكرم فقال : السلام عليك يا رسول الله ، السلام عليك يا أبا بكر ، السلام عليك يا أبتاه . ومعنى النهي عن زيارة القبور إنما كان في أول الإسلام عند قربهم بعبادة الأوثان واتخاذ القبور مساجد ، فلما استحكم الإسلام وقوي في قلوب الناس وأمنت عبادة القبور والصلاة إليها نسخ النهي عن زيارتها لأنها تذكر الآخرة وتزهد في الدنيا وعن طاووس : كانوا يستحبون أن لا يتفرقوا عن الميت سبعة أيام لأنهم يفتنون ويحاسبون في قبورهم سبعة أيام ، وحاصل الكلام من هذا كله أن زيارة القبور مكروهة للنساء ، بل حرام في هذا الزمان ، ولا سيما نساء مصر لأن خروجهن على وجه فيه الفساد والفتنة ، وإنما رخصت الزيارة لتذكر أمر الآخرة وللاعتبار بمن مضى وللتزهد في الدنيا . 23 ( ( بابُ قَوْلِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم يُعَذَّبُ المَيِّتُ بِبَعْضِ بُكاءِ أهْلِهِ عَلَيْهِ إذَا كانَ النَّوْحُ مِنْ سُنَّتِهِ لِقَوْلِ الله تعَالَى : * ( قُوا أنُفُسَكُمْ وَأهْلِيكُمْ نارا ) * ) ) أي : هذا باب في بيان قول النبي صلى الله عليه وسلم . . إلى آخره ، هذه الترجمة بعينها لفظ حديث نذكره عن قريب مسندا . وقال بعضهم : هذا تقييد من المصنف لمطلق الحديث ، وحمل منه لرواية ابن عباس المقيدة بالبعضية على رواية ابن عمر المطلقة . قلت : لا نسلم أن التقييد من المصنف ، بل هما حديثان أحدهما مطلق والآخر مقيد ، فترجم بلفظ الحديث المقيد تنبيها على أن الحديث المطلق محمول عليه ، لأن الدلائل دلت على تخصيص العذاب ببعض البكاء لا بكله ، لأن البكاء بغير نوح مباح ، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى . وقوله : ( إذا كان النوج . . . ) إلى آخره ، ليس من الحديث المرفوع ، بل هو من كلام البخاري ، قاله استنباطا . قوله : ( من سنته ) ، بضم السين وتشديد النون وكسر التاء المثناة من فوق ، أي : من عادته وطريقته ، وهكذا هو للأكثرين . وقال ابن قرقول : أي : مما سنه واعتاده ، إذ كان من العرب من يأمر بذلك أهله ، وهو الذي تأوله البخاري ، وهو أحد التأويلات في الحديث . وضبطه بعضهم : بالباء ، الموحدة المكررة أي : من أجله ، وذكر عن محمد بن ناصر أن الأول تصحيف والصواب الثاني ، وأي سنة للميت ؟ وفي بعض النسخ : باب إذا كان النوح من سننه ، وضبطه بالنون . قوله : ( لقول الله تعالى . . . ) إلى آخره ، وجه الاستدلال بالآية أن الشخص إذا كان نائحا وأهله يقتدون به فهو صار سببا لنوح أهله ، فما وقى أهله من النار فخالف الأمر ، ويعذب بذلك قوله : ( قوا ) ، أمر للجماعة من : وقى يقي ، وأصله أوقيوا ، لأن الأمر من يقي : ق ، وأصله أوقَ ، فحذفت الواو تبعا ليقي ، وأصله : يوقي حذفت الواو ، ولوقوعها بين الياء والكسرة ، فصار : يقي على وزن : يعي ، والأمر منه : ق ، وعلى الأصل : أوق ، فلما حذفت الواو منه تبعا للمضارع استغنى عن الهمزة ، فحذفت فصار : قِ ، على وزن : ع . تقول : ق ، قيا قوا . ومعنى : قوا إحفظوا لأنه من الوقاية ، وهو الحفظ . وَقَالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم : كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ