العيني
51
عمدة القاري
الكسائي : وقصا ، ولا يكون : وقصت العنق نفسها . وقال الخطابي : معناه أنها صرعته فكسرت عنقه ، وقال : أقصعته بتقديم الصاد المهملة على العين المهملة ، ليس بشيء ، والقصع هو كسر العطش ، ويحتمل أن يستعار لكسر الرقبة وأما الإقعاص ، أي : بتقديم العين فهو إعجال الهلاك أي : لم يلبث أن مات . وقال الجوهري : يقال ضربه فأقعصه ، أي : قتله مكانه ويقال : قصع القملة أي قتلها ، وقصع الماء عطشه أي : أذهبه وسكنه ، واعلم أن الضمير المرفوع في ( فوقصته ) ، للراحلة ، والمنصوب يرجع إلى الرجل . وقال بعضهم : ويحتمل أن يكون فاعل : وقصته ، الوقعة أو الراحلة ، بأن تكون أصابته بعد أن وقع قلت : الفاعل هو الراحلة ، وهو الذي يقتضيه ظاهر التركيب ، وكون الفاعل هو الوقعة بعيد ) وخلاف الظاهر ، وقال أيضا : وقال الكرماني : فوقصته أي راحلته . قلت : لم يقل الكرماني هذا ، وإنما نقل عن الخطابي ما ذكرناه عنه آنفا ، والعنق ، بضمتين وبسكون النون ، وصله ما بين الرأس والجسد ، ويذكر ويؤنث ، فمن قال : عنق بإسكان النون ذكر ، ومن قال بضم النون أنث ، وعند ابن خالويه : التصغير في لغة من ذكَّر : عنيق ، وفي لغة من أنث ، عنيقة . والجمع أعناق . قوله : ( وكفنوه في ثوبين ) إنما لم يزده ثالثا إكراما له ، كما في الشهيد لم يزد على ثيابه . قوله : ( ولا تحنطوه ) بالحاء المهملة أي : لا تمسوه حنوطا . قوله : ( ولا تخمروا رأسه ) أي : ولا تغطوها . وفي ( أفراد مسلم ) : ( ولا تخمروا رأسه ولا وجهه ) . وقال البيهقي : وذكر الوجه وهم من بعض رواته في الإسناد والمتن ، والصحيح : ( لا تغطوا رأسه ) . قوله : ( فإنه ) أي : فإن هذا الرجل . قوله : ( ملبيا ) ، نصب على الحال ، أي : حال كونه قائلاً لبيك ، والمعنى أنه يحشر يوم القيامة على هيئته التي مات عليها ليكون ذلك علامة لحجه ، كالشهيد يأتي وأوداجه تشخب دما . وفي ( التوضيح ) : وفي رواية ( ملبدا ) أي : على هيئة ملبدا شعره بصمغ ونحوه . ذكر ما يستفاد منه : احتج به الشافعي وأحمد وإسحاق وأهل الظاهر في أن المحرم على إحرامه بعد الموت ، ولهذا يحرم ستر رأسه وتطييبه ، وهو قول عثمان وعلي وابن عباس وعطاء والثوري . وذهب أبو حنيفة ومالك والأوزاعي إلى أنه يصنع به ما يصنع بالحلال ، وهو مروي عن عائشة وابن عمر وطاوس لأنها عبادة شرعت فبطلت بالموت : كالصلاة والصيام . وقال صلى الله عليه وسلم : ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاَّ من ثلاث . . ) وإحرامه من عمله ، ولأن الإحرام لو بقي لطيف به وكملت مناسكه ، وقال بعضهم : وأجيب : بأن ذلك ورد على خلاف الأصل ، فيقتصر به على مورد النص ، ولا سيما قد وضح أن الحكمة في ذلك استبقاء شعار الإحرام كاستبقاء دم الشهداء قلت : لا نسلم أنه ورد على خلاف الأصل ، وكيف ورد على خلاف الأصل وقد أمر بغسله بالماء والسدر ، وهو الأصل في الموتى ؟ وأما قوله : لا تحنطوه . . إلى آخره فهو مخصوص به ، والدليل عليه قوله : الحكمة في ذلك . . إلى آخره . وفيه : الرد على كلامه ، بيان ذلك أن استبقاء دم الشهيد مخصوص به ، فكذلك استبقاء شعار الإحرام مخصوص بالموقوص . وأجابوا عن الحديث بأنه ليس عاما بلفظه ، لأنه في شخص معين ، ولأنه لم يقل يبعث يوم القيامة ملبيا لأنه محرم ، فلا يتعدى حكمه إلى غيره إلاَّ بدليل . وقال : اغسلوه بسدر ، والمحرم لا يجوز غسله بسدر ، وذكر الطرطوشي في ( كتاب الحج ) أن أبا الشعثاء جابر بن زيد روى عن ابن عباس ، قال : لا تخمروا رأسه وخمروا وجهه . وقد روى عبد الرزاق ابن جريج عن عطاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( خمروا وجوههم ولا تتشبهوا باليهود ورواه الدارقطني بإسناد عن عطاء عن ابن عباس يرفعه وحكم ابن القطان بصحته ولفظه ( خمروا وجوه موتاكم ) . وفي ( الموطأ ) أن عبد الله بن عمر لما مات ابنه واقد وهو محرم كفنه وخمر وجهه ورأسه ، وقال : لولا أنا محرمون لحنطناك يا واقد . وفي ( المصنف ) بأسانيد جياد : عن عطاء ، قال : وسئل عن المحرم يغطى رأسه إذا مات ؟ قيل : غطى ابن عمر وكشف غيره . وقال طاووس : يغيب رأس المحرم إذا مات . وقال الحسن : إذا مات المحرم فهو حلال ، ومن حديث مجالد عن عامر : ( إذا مات المحرم ذهب إحرامه ) . ومن حديث إبراهيم عن عائشة : إذا مات المحرم ذهب إحرام صاحبكم ، وقاله عكرمة بسند جيد ، وحكى ابن حزم أنه صح عن عائشة تحنيط الميت المحرم إذا مات ، وتطييبه وتخمير رأسه ، وعن جابر عن أبي جعفر ، قال : المحرم يغطي رأسه ولا يكشف . وفيه : جواز الكفن في ثوبين ، وهو كفن الكفاية ، وكفن الضرورة واحد . وفيه : في قوله : ( في ثوبين ) استدلال بعضهم على إبدال ثياب المحرم . وقال بعضهم : وليس بشيء لأنه سيأتي في الحج بلفظ : في ثوبه ) ، وللنسائي من طريق يونس بن نافع عن عمرو بن دينار : ( في ثوبيه الذين أحرم فيهما ) . قلت : ظاهر متن الحديث هنا يدل على صحة استدلال بعضهم على إبدال ثياب المحرم ، وهذا يدل على أنه خرج من