العيني

26

عمدة القاري

في حديث أبي هريرة الذي يقم المسجد . قيل : وهذا وهم ، لأن الصحيح في حديث أبي هريرة أنها امرأة يقال لها : أم محجن . قوله : ( فلما أصبح ) أي : دخل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في الصباح . قوله : ( وكان الليل ) برفع الليل ، وكان تامة ، وكذا كان في : ( كانت ظلمة ) . قوله : ( أن نشق ) ، كلمة أن مصدرية أي : كرهنا المشقة عليه . وقوله : ( وكانت ظلمة ) ، جملة معترضة . ذكر ما يستفاد منه : فيه : عيادة المريض ، وقد مر الكلام فيه مستقصىً ، وفيه : جواز دفن الميت بالليل ، وروى الترمذي من حديث عطاء ( عن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل قبرا ليلاً فأسرج له بسراج ، فأخذ من قبل القبلة وقال : رحمك الله إن كنت لأواها تلاءً للقرآن ، وكبر عليه أربعا ) ، ثم قال الترمذي : ورخص أكثر أهل العلم في الدفن بالليل ، وروى ابن أبي شيبة في ( المصنف ) بإسناده ( عن أبي ذر ، قال : كان رجل يطوف بالبيت يقول : أوه أوه . قال أبو ذر : فخرجت ليلة فإذا النبي ، صلى الله عليه وسلم ، في المقابر يدفن ذلك الرجل ومعه مصباح ) . وفيه : الأذن بالجنازة والإعلام به ، وقد مر بيانه مع الخلاف فيه . وفيه : تعجيل الجنازة ، فإنهم ظنوا أن ذلك آكد من إيذانه . وفيه : جواز الصلاة على القبر وفيه خلاف ، وقال الترمذي : العمل على هذا ، أي : الصلاة على القبر عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم ، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق . وقال بعض أهل العلم : لا يصلى على القبر ، وهو قول مالك بن أنس ، وقال عبد الله بن المبارك : إذا دفن الميت ولم يصل عليه صلى على القبر . وقال أحمد وإسحاق : يصلى على القبر إلى شهر ، وقال ابن التين : جمهور أصحاب مالك على الجواز خلافا لأشهب وسحنون فإنهما قالا : إن نسي أن يصلي على الميت فلا يصلي على قبره وليدع له . وقال ابن قاسم وسائر أصحابنا : يصلى على القبر إذا فاتت الصلاة على الميت ، فإذا لم تفت وكان قد صلي عليه فلا يصلي عليه ، وقال ابن وهب عن مالك : ذلك جائز ، وبه قال الشافعي وعبد الله بن وهب وابن عبد الحكم وأحمد وإسحاق وداود وسائر أصحاب الحديث ، وكرهها النخعي والحسن ، وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي والحسن بن حي والليث بن سعد ، قال ابن القاسم : قلت لمالك : فالحديث الذي جاء في الصلاة عليه ؟ قال : قد جاء وليس عليه العمل ، وقال صاحب ( الهداية ) : وإن دفن الميت ولم يصل عليه صلي على قبره ، ولا يخرج منه ويصلي عليه ما لم يعلم أنه تفرق ، هكذا في ( المبسوط ) ؛ وإذا شك في ذلك نص الأصحاب على أنه لا يصلي عليه ، وبه قال الشافعي وأحمد ، وهو قول عمر وأبي موسى وعائشة وابن سيرين والأوزاعي ، وهل يشترط في جواز الصلاة على قبره كونه مدفونا بعد الغسل ؟ فالصحيح أنه يشترط ، وروى ابن سماعة عن محمد : أنه لا يشترط ، وفي ( المحيط ) : لو صلى عليه من لا ولاية له عليه يصلي على قبره ، ويصلي عليه قبل أن يتفسخ ، والمعتبر في ذلك أكبر الرأي ، أي : غالب الظن ، فإن كان غالب الظن أنه تفسخ لا يصلي عليه ، وإن كان غالب الظن أنه لم يتفسخ يصلي عليه ، وإذا شك لا يصلي عليه وروي عن أبي يوسف : يصلي عليه إلى ثلاثة أيام وبعدها لا يصلي عليه ، وللشافعية ستة أوجه . أولها : إلى ثلاثة أيام . ثانيها : إلى شهر ، كقول أحمد . ثالثها : ما لم يبل جسده . رابعها : يصلي عليه من كان من أهل الصلاة عليه يوم موته . خامسها : يصلي عليه من كان من أهل فرض الصلاة عليه يوم موته . سادسها : يصلي عليه أبدا ، فعلى هذا تجوز الصلاة على قبور الصحابة ومن قبلهم اليوم ، واتفقوا على تضعيفه ، وممن صرح به : الماوردي والمحاملي والفوراني والبغوي وإمام الحرمين والغزالي . فإن قلت : في البخاري عن عقبة بن عامر ، رضي الله تعالى عنه ، أنه صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين . قلت : أجاب السرخسي في ( المبسوط ) وغيره : أن ذلك محمول على الدعاء ، ولكنه غير سديد ، لأن الطحاوي روى عن عقبة بن عامر أنه صلى الله عليه وسلم خرج يوما فصلى على قتلى أحد صلاته على الميت ، والجواب السديد : أن أجسادهم لم تبل . 6 ( ( بابُ فَضْلِ منْ ماتَ لَهُ وَلَدٌ فاحْتَسَبَ ) ) أي : هذا باب في بيان فضل من مات له ولد فاحتسب ، أي : صبر راضيا بقضاء الله تعالى راجيا لرحمته وغفرانه ، والاحتساب من الحسب ، كالاعتداد من العدد ، وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله : احتسبه ، لأن له حينئذ أن يعتد بعمله ، فجعل في حال مباشرة الفعل كأنه معتد به ، والاحتساب في الأعمال الصالحة ، وعند المكروهات هو البدار إلى طلب الأجر وتحصيله بالتسليم والصبر أو باستعمال أنواع البر والقيام بها على الوجه المرسوم فيها طلبا للثواب المرجو منها ، وإنما ذكر لفظ الولد ليتناول