العيني
72
عمدة القاري
وفي الحديث فوائد أخرى : فيه : المبادرة بالصلاة والذكر والتكبير والصدقة عند وقوع كسوف وخسوف ونحوهما من زلزلة وظلمة شديدة وريح عاصف ، ونحو ذلك من الأهوال . وفيه : الزجر عن كثرة الضحك والتحريض على كثرة البكاء . وفيه : الرد على من زعم أن للكواكب تأثيرا في حوادث الأرض ، على ما ذكرنا . وفيه : اهتمام الصحابة ، رضي الله تعالى عنهم ، بنقل أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ليقتدي به فيها . وفيه : الأمر بالدعاء والتضرع في سؤاله . وفيه : التحريض على فعل الخيرات ولا سيما الصدقة التي نفعها متعد . وفيه : عظة الإمام عند الآيات وأمرهم بأعمال البر . وفيه : أن صلاة الكسوف ركعتان ولكن على هيئة مخصوصة من تطويل زائد في القيام وغيره على العادة من زيادة ركوع في كل ركعة ، وقال بعضهم : الأخذ بهذا أولى من إلغائها ، وبذلك قال جمهور أهل العلم من أهل الفتيا ، وقد وافق عائشة على ذلك عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر ، ومثله عن أسماء بنت أبي بكر وعن جابر عند مسلم ، وعن علي عند أحمد ، وعن أبي هريرة عند النسائي ، وعن ابن عمر عند البزار ، وعن أم سفيان عند الطبراني . قلت : لِمَ سكت هذا القائل عن : حديث : أبي بكرة الذي صدره البخاري في هذا الباب ورواه النسائي ؟ وحديث ابن مسعود الذي رواه ابن خزيمة في ( صحيحه ) ، وحديث عبد الرحمن بن سمرة عند مسلم ، وحديث سمرة بن جندب عند الأربعة ، وحديث النعمان بن بشير عند الطحاوي ، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص عنده أيضا وعند أبي داود وأحمد ، وحديث قبيصة الهلالي عند أبي داود ، وقد ذكرنا جميع ذلك مستقصىً ، ؟ فأحاديث هؤلاء كلها تدل على أن : صلاة الكسوف ركعتان كهيئة النافلة من غير الزيادة على ركوعين . فإن قلت : أحاديث هؤلاء غاية ما في الباب أنها تدل على أن صلاة الكسوف ركعتان ، والخصم قائل به ، وليس فيها ما ينفي ما ذهب إليه الخصم من الزيادة ؟ قلت : في أحاديثهم نص على الركعتين مطلقا ، والمطلق ينصرف إلى الكامل وهي الصلاة المعهودة من غير الزيادة المذكورة ، مع أنهم لم يقولوا بإلغاء تلك الزيادة ، وإنما اختاروا ما ذهبوا إليه لموافقته القياس ، ويؤيد ذلك ما رواه الطحاوي ( عن علي رضي الله تعالى عنه ، أنه كان يقول : فرض النبي صلى الله عليه وسلم أربع صلوات : صلاة الحضر أربع ركعات ، وصلاة السفر ركعتين ، وصلاة الكسوف ركعتين ، وصلاة المناسك ركعتين ) . وقد قرنت صلاة الكسوف بصلاة السفر وصلاة المناسك ، وفي ركعة كل واحدة منهما ركوع واحد بلا خلاف ، فكذلك صلاة الكسوف ، ولا سيما على قول من يقول : إن القرآن في النظم يوجب القرآن في الحكم ، فإن قالوا : الزيادة المذكورة ثبتت في رواية الحفاظ الثقات فوجب قبولها والعمل بها . قلنا : قد ثبت عند مسلم عن عائشة وجابر ، رضي الله تعالى عنهما ، أن في كل ركعة ثلاث ركوعات ، وعنده عن ابن عباس : أن في كل ركعة ثلاث ركوعات ، وعند أبي داود عن أبي بن كعب وعند البزار عن علي : أن في كل ركعة خمس ركوعات ، فما كان جوابهم في هذه فهو جوابنا في تلك ، ثم إن هذا القائل نقل عن صاحب ( الهدى ) أنه نقل عن الشافعي وأحمد والبخاري أنهم : كانوا يعدون الزيادة على الركوعين في كل ركعة غلطا من بعض الرواة . قلت : ينبغي أن لا يؤاخذ بهذا لأنه ثبت في ( صحيح مسلم ) ثلاث ركوعات وأربع ركوعات ، كما ذكرناه الآن . 3 ( ( بابُ النِّدَاءِ بِالصَّلاَةِ جامِعَةً فِي الكُسُوفِ ) ) أي : هذا باب في بيان قول المنادي لصلاة الكسوف : الصلاة جامعة ، بالنصب فيهما على الحكاية في لفظ الصلاة ، وحروف الجر لا يظهر عملها في باب الحكاية ، ومعمولها محذوف ، تقديره : باب النداء بقوله الصلاة جامعة ، أي : حال كونها جامعة . وقال بعضهم : أي أحضروا الصلاة في كونها جماعة . قلت : لا يصح هذا ، لأن الصلاة ليست بجماعة ، وإنما هي جامعة للجماعة ، ويقدر : أحضروا الصلاة حال كونها جامعة للجماعة ، وهو من الأحوال المقدرة ، ويجوز أن يرفع بالصلاة ، وجامعة أيضا فالصلاة على الابتداء وجامعة على الخبر ، على تقدير : جامعة للجماعة ، وقال بعضهم : وقيل جامعة ، صفة والخبر محذوف أي : احضروا . قلت : هذا أيضا لا يصح ، لأن الصلاة معرفة ، وجامعة نكرة ، فلا تقع صفة للمعرفة لاشتراط التطابق بين الصفة والموصوف .