العيني
66
عمدة القاري
خسوف القمر كما يجمع في كسوف الشمس ، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأهل الحديث ، وذهب أبو حنيفة وأحمد ومالك إلى أن : ليس في خسوف القمر جماعة . قلت : أبو حنيفة لم ينف الجماعة فيه ، وإنما قال : الجماعة فيه غير سنة ، بل هي جائزة وذلك لتعذر اجتماع الناس من أطراف البلد بالليل ، وكيف وقد ورد قوله صلى الله عليه وسلم : ( أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة ) ؟ وقال مالك : لم يبلغنا ، ولا أهل بلدنا ، أنه صلى الله عليه وسلم جمع لكسوف القمر ، ولا نقل عن أحد من الأئمة بعده أنه صلى الله عليه وسلم جمع فيه . ونقل ابن قدامة في ( المغني ) عن مالك : ليس في كسوف القمر سنة ولا صلاة ، وقال المهلب : يمكن أن يكون تركه صلى الله عليه وسلم ، والله أعلم ، رحمة للمؤمنين لئلا تخلو بيوتهم بالليل فيخطفهم الناس ويسرقون ، يدل على ذلك قوله : صلى الله عليه وسلم لأم سلمة ليلة نزول التوبة على كعب بن مالك وصاحبيه : ( قلت له : أَلا أبشِّر الناس ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : أخشى أن يخطفهم الناس ) . وفي حديث آخر : ( أخشى أن يمنع الناس نومهم ) . وقال تعالى : * ( ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ) * ( القصص : 37 ) . فجعل السكون في الليل من النعم التي عددها الله تعالى على عباده ، وقد سمى ذلك رحمة ، وقد قال ابن القصار : خسوف القمر يتفق ليلاً فيشق الاجتماع له ، وربما أدرك الناس نياما فيثقل عليهم الخروج لها ، ولا ينبغي أن يقاس على كسوف الشمس ، لأنه يدرك الناس مستيقظين متصرفين ، ولا يشق اجتماعهم كالعيدين والجمعة والاستسقاء . فإن قلت : روي عن الحسن البصري ، قال : خسف القمر وابن عباس بالبصرة ، فصلى بنا ركعتين في كل ركعة ركعتان ، فلما فرغ خطبنا : وقال : صليت بكم كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا . رواه الشافعي في ( مسنده ) وذكره ابن التين بلفظ : ( أنه صلى في خسوف القمر ثم خطب ، وقال : يا أيها الناس إني لم ابتدع هذه الصلاة بدعة ، وإنما فعلت كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ) . وقد علمنا أنه صلاها في جماعة لقوله : ( خطب ) لأن المنفرد لا يخطب ، وروى الدارقطني عن عروة عن عائشة : ( أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي في خسوف الشمس أربع ركعات وأربع سجدات ويقرأ في الأولى بالعنكبوت أو الروم وفي الثانية بيس ) . قلت : أما رواية الحسن فرواها الشافعي عن إبراهيم بن محمد وهو ضعيف ، وقول الحسن : خطبنا ، لا يصح ، فإن الحسن لم يكن بالبصرة لما كان ابن عباس بها . وقيل : إن هذا من تدليساته . وأما حديث عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، فمستغرب . فإن قلت : روى الدارقطني أيضا من طريق حبيب : ( عن طاووس عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى كسوف الشمس والقمر ثمان ركعات في أربع سجدات ) . قلت : في إسناده نظر ، والحديث في مسلم وليس فيه ذكر : القمر ، والعجب من شيخنا زين الدين العراقي ، رحمه الله ، يقول : لم تثبت صلاته صلى الله عليه وسلم لخسوف القمر بإسناد متصل ، ثم ذكر حديث عائشة وحديث ابن عباس اللذين رواهما الدارقطني ، وقال : ورجال إسنادهما ثقات ، ولكن كون رجالهما ثقات لا يستلزم اتصال الإسناد . ولا نفي المدرج , . الأسئلة والأجوبة منها ما قيل : ما الحكمة في الكسوف ؟ والجواب : : ما قاله أبو الفرج : فيه سبع فوائد . الأول : ظهور التصرف في الشمس والقمر . الثاني : تبيين قبح شأن من يعبدهما . الثالث : إزعاج القلوب الساكنة بالغفلة عن مسكن الذهول . الرابع : ليرى الناس نموذج ما سيجري في القيامة من قوله : * ( وجمع الشمس والقمر ) * ( القيامة : 9 ) . الخامس : أنهما يوجدان على حال التمام فيركسان ، ثم يلطف بهما فيعادان إلى ما كانا عليه ، فيشار بذلك إلى خوف المكر ورجاء العفو . السادس : أن يفعل بهما صورة عقاب لمن لا ذنب له . السابع : أن الصلوات المفروضات عند كثير من الخلق عادة لا انزعاج لهم فيها ولا وجود هيبة ، فأتى بهذه الآية وسنت لهما الصلاة ليفعلوا صلاة على انزعاج وهيبة . ومنها ما قيل : أليس في رؤية الأهلة وحدوث الحر والبرد وكل ما جرت العادة بحدوثه من آيات الله تعالى فما معنى قوله في الكسوفين : ( أنهما آيتان ) ؟ وأجيب : بأن : هذه الحوادث آيات دالة على وجوده ، عز وجل ، وقدرته . وخص الكسوفين لإخباره صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل أن القيامة تقوم وهما منكوسان وذاهبا النور ، فلما أعلمهم بذلك أمرهم عند رؤية الكسوف بالصلاة والتوبة خوفا من أن يكون الكسوف لقيام الساعة ليعتدوا لها . وقال المهلب : يحتمل أن يكون هذا قبل أن يعلمه الله تعالى بأشراط الساعة . ومنها ما قيل : ما الكسوف ؟ وأجيب : بأنه تغير يخلقه الله تعالى فيهما لأمر يشاؤه ولا يدري ما هو ، أو يكون تخويفا للاعتبار بهما مع عظم خلقهما ، وكونهما عرضة للحوادث ، فكيف بابن آدم الضعيف الخلق ؟ وقيل : يحتمل أن يكون الخسوف فيهما عند تجلي الله سبحانه لهما ، وفي حديث قبيصة الهلالي عند أبي داود والنسائي الإشارة إلى ذلك ، فقال فيه : ( أن