العيني
39
عمدة القاري
الآتية : ( هلكت المواشي هلك العيال هلك الناس ) ، وهو من قبيل ذكر العام بعد الخاص ، والمراد بهلاكهم عدم وجود ما يعيشون به من الأقوات المفقودة بحبس المطر . قوله : ( وانقطعت السبل ) ، وفي رواية الأصيلي : ( وتقطعت ) ، بالتاء المثناة من فوق وتشديد الطاء ، فالأول من باب الانفعال ، والثاني من باب التفعل ، والمراد من السبل : الطرق ، وهو بضم السين والباء جمع : سبيل ، واختلف في معناه فقيل : ضعفت الإبل لقلة الكلأ أن يسافر بها ، وقيل : إنها لا تجد في سفرها من الكلأ ما يبلغها ، وقيل : إن الناس أمسكوا ما عندهم من الطعام ولم يجلبوه إلى الأسواق ، وقيل : نفاد ما عندهم من الطعام أو قلته فلا يجدون ما يحملونه إلى الأسواق ، ووقع في رواية قتادة الآتية عن أنس : ( قحط المطر ) ، أي : قل أو لم ينزل أصلاً . وفي رواية ثابت الآتية عن أنس : ( واحمرت الشجر ) ، واحمرارها كناية عن يبس ورقها لعدم شربها الماء أو لانتشاره ، فيصير الشجر أعوادا بغير ورق ، وقال أحمد في رواية قتادة : ( وانحلت الأرض ) . فإن قلت : ما وجه هذا الاختلاف ؟ قلت : يحتمل أن يكون السائل قال ذلك كله ، ويحتمل أن يكون بعض الرواة روى شيئا مما قاله بالمعنى ، فإنها متقاربة . قوله : ( فادع الله أن يغيثنا ) هكذا هو في رواية أبي ذر وفي رواية الأكثرين ( فادع الله يغيثنا ) ، ووجهه أن كلمة : أن ، مقدرة قبل ، أي : فهو يغيثنا ، وفيه بعد . وفي رواية إسماعيل ابن جعفر الآتية للكشميهني : ( يغثنا ) ، بالجزم ، وهذا هو الأوجه لأنه جواب الأمر . ثم إعلم أن لفظ : يغيثنا ، بضم الياء في جميع النسخ ، و : اللهم أغثنا ، بالألف من باب أغاث يغيث إغاثة من مزيد الثلاثي ، والمشهور في كتب اللغة أنه يقال في المطر : غاث الله الناس والأرض يغيثهم ، بفتح الياء . قال عياض : قال بعضهم : هذا المذكور في الحديث من الإغاثة بمعنى المعونة وليس من طلب الغيث ، وإنما يقال في طلب الغيث : اللهم أغثنا . قال أبو الفهل : ويحتمل أن يكون من طلب الغيث ، أي : هب لنا غيثا أو ارزقنا غيثا ، كما يقال : سقاه وأسقاه ، أي : جعل له سقيا على لغة من فرق بينهما . وقيل : يحتمل أن يكون معنى قوله : ( اللهم أغثنا ) أي : فرج عنا وأدركنا ، فعلى هذا يجوز ما وقع في عامة النسخ . وقال أبو المعاني في ( المنتهى ) : يقال أغاثه الله يغيثه ، والغياث ما أغاثك الله به اسم من أغاث واستغاثني فأغثته . وقال القزاز : غاثه يغوثه غوثا وأغاثه يغيثه إغاثة ، فأميت : غاث ، واستعمل : أغات . ويقول الواقع في بلية : اللهم أغثني ، أي : فرج عني . وقال الفراء : الغيث والغوث متقاربان في المعنى ، والأصل ، وفي ( كتاب النبات ) لأبي حنيفة : وقد غيثت الأرض فهي مغيثة ومغيوثة . وقال أبو الحسن اللحياني : أرض مغيثة ومغيوثة أي مسقية ومغيرة ومغيورة ، والاسم الغيرة والغيث . وقال الفراء : الغيث يغورنا ويغيرنا ، وقد غارنا الله بخير : أغاثنا . قوله : ( فرفع يديه ) وفي رواية النسائي عن شريك : ( فرفع يديه حذاء وجهه ) ، وتقدم في الجمعة بلفظ : ( فمد يديه ودعا ) ، وزاد في رواية قتادة في الأدب : ( فنظر إلى السماء ) . قوله : ( فقال : اللهم اسقنا ثلاث مرات ) ، ووقع في هذه الرواية : ( اللهم اسقنا ثلاث مرات ) ، ووقع في رواية ثابت الآتية عن أنس : ( اللهم إسقنا مرتين ) . قوله : ( فلا والله ) ، بالفاء في رواية أبي ذر ، وفي رواية غيره : ( لا والله ) بالواو ، وفي رواية ثابت الآتية : ( وأيم الله ) ، والتقدير : فلا نرى والله ، فحذف الفعل منه لدلالة المذكور عليه . قوله : ( من سحاب ) أي : من سحاب مجتمع ولا قزعة أي من سحاب متفرق ، وهو بفتح القاف والزاي والعين المهملة . وفي ( التلويح ) : القزعة ، مثال شجرة قطعة من السحاب رقيقة كأنها ظل إذا مرت من تحت السحاب الكثير . وقال أبو حاتم : القزع : السحاب المتفرق . وقال يعقوب عن الباهلي : يقال : ما على السحاب قزعة أي : شيء من غيم ، ذكره في ( الموعب ) وفي ( تهذيب الأزهري ) : كل شيء متفرق فهو قزع . وفي ( المحكم ) : أكثر ما يكون ذلك في الخريف . قوله : ( ولا شيئا ) بالنصب تقديره أي : ولا نرى شيئا من الكدورة التي تكون مظنة للمطر . قوله : ( وبين سلع ) ، بفتح السين المهملة وسكون اللام ، وفي آخره عين مهملة : وهو جبل معروف بالمدينة ، ووقع عند ابن سهل ، بفتح اللام وسكونها : وقيل : بغين معجمة ، وكله خطأ . وفي ( المحكم ) و ( الجامع ) : سلع موضع ، وقيل : جبل . وقال البكري : هو جبل متصل بالمدينة ، وزعم الهروي أن سلعا معرفة لا يجوز إدخال اللام عليه . قلت : وفي ( دلائل النبوة ) للبيهقي ، وكتاب أبي نعيم الأصبهاني ، وأبي سعيد الواعظ و ( الإكليل ) للحاكم : ( فطلعت سحابة من وراء السلع ) . قوله : ( من بيت ولا دار ) أي : تحجبنا عن رؤيته ، وأراد بذلك أن السحاب كان مفقودا لا مستترا ببيت ولا غيره ، ووقع في رواية ثابت في ( علامات النبوة ) : ( وإن السماء لفي مثل الزجاجة أي لشدة صفائها وذلك أيضاً مشعر بقدم السحاب أصلاً قوله ( فطلعت ) أي : ظهرت من ورائه أي من وراء سلع . قوله : ( مثل