العيني
25
عمدة القاري
إلى الصحراء حال كونه مريدا الاستسقاء . قوله : ( وحول رداءه ) ، عطف على : ( خرج ) ، قال الخطابي : اختلفوا في صفة التحويل ، فقال الشافعي : بنكس أعلاه أسفله وأسفله أعلاه ، ويتوخى أن يجعل ما على شقه الأيمن على الشمال ، ويجعل الشمال على اليمين ، وكذلك قال إسحاق ، وقال الخطابي : إذا كان الرداء مربعا يجعل أعلاه أسفله وإن كان طيلسانا مدورا قلبه ولم ينكسه ، وقال أصحابنا : إن كان مربعا يجعل أعلاه أسفله ، وإن كان مدورا يجعل جانب الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن . وقال ابن بزيزة : ذكر أهل الآثار أن رداءه صلى الله عليه وسلم كان طوله أربعة أذرع وشبرا في عرض ذراعين وشبر ، وقال الواقدي : كان طوله ستة أذرع في ثلاثة أذرع وشبر ، وإزاره من نسج عمان طوله أربعة أذرع وشبر في عرض ذراعين وشبر ، كان يلبسهما يوم الجمعة والعيد ، ثم يطويان . والحكمة في التحويل التفاؤل بتحويل الحال عما هي عليه . قال ابن العربي : قال محمد بن علي : حول رداءه ليتحول القحط . قال القاضي أبو بكر : هذه أمارة بينه وبين ربه لا على طريق الفأل ، فإن من شرط الفأل إن لا يكون يقصد ، وإنما قيل له : حول رداءك فيتحول حالك . فإن قلت : لعل رداءه سقط فرده ، وكان ذلك اتفاقا قلت : الراوي المشاهد للحال أعرف ، وقد قرنه بالصلاة والخطبة والدعاء ، فدل أنه من السنة ، ويشهد لذلك ما رواه الحاكم في ( المستدرك ) على شرط مسلم ، من حديث ابن زيد : أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى وعليه خميصة سوداء فأراد أن يأخذ أسفلها فيجعله أعلاها فثقلت عليه فقلبها عليه الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن . قلت : هذا يرشح قول أبي حنيفة ، رضي الله تعالى عنه . ذكر ما يستفاد منه : وهو وجوه : الأول : أنه احتج به أبو حنيفة على أن الاستسقاء استغفار ودعاء وليس فيه صلاة مسنونة في جماعة ، فإن الحديث لم يذكر فيه الصلاة . وقال صاحب ( الهداية ) : فإن صلى الناس وحدانا جاز ، وعند أبي يوسف ومحمد : السنة أن يصلي الإمام ركعتين بجماعة كهيئة صلاة العيد ، وبه قال مالك والشافعي وأحمد ، وذكر في ( المحيط ) قول أبي يوسف مع أبي حنيفة ، وقال النووي لم يقل أحد غير أبي حنيفة هذا القول . قلت : هذا ليس بصحيح ، لأن إبراهيم النخعي قال مثل قول أبي حنيفة ، فروى ابن أبي شيبة : حدثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم أنه خرج مع المغيرة بن عبد الله الثقفي يستسقي ، قال : فصلى المغيرة فرجع إبراهيم حيث رآه يصلي ، وروى ذلك أيضا عن عمر بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنه ، قال ابن أبي شيبة : حدثنا وكيع عن عيسى بن حفص عن عاصم عن عطاء بن أبي مروان الأسلمي عن أبيه ، قال : خرجنا مع عمر ابن الخطاب يستسقي فما زاد على الاستغفار . الوجه الثاني : أنه يدل على أصل الاستسقاء وأنه مشروع . الثالث : يدل على أن تحويل الرداء فيه سنة . وقال صاحب ( التوضيح ) : تحويل الرداء سنة عند الجمهور ، وانفرد أبو حنيفة وأنكره ووافقه ابن سلام . من قدماء العلماء بالأندلس والسنة قاضية عليه . قلت : أبو حنيفة لم ينكر التحويل الوارد في الأحاديث إنما أنكر كونه من السنة لأن تحويله صلى الله عليه وسلم كان لأجل التفاؤل لينقلب حالهم من الجدب إلى الخصب ، فلم يكن لبيان السنة ، وما ذكرناه من حديث ابن زيد الذي رواه الحاكم يقوي ما ذهب إليه أبو حنيفة ، ووقت التحويل عندنا عند مضي صدر الخطبة ، وبه قال ابن الماجشون ، وفي رواية ابن القاسم : بعد تمامها ، وقيل : بين الخطبتين ، والمشهور عن مالك : بعد تمامها ، وبه قال الشافعي ، ولا يقلب القوم أرديتهم عندنا ، وهو قول سعيد بن المسيب وعروة والثوري والليث بن سعد وابن عبد الحكيم وابن وهب وعند مالك والشافعي وأحمد : القوم كالإمام ، يعني يقلبون أرديتهم ، واستثنى ابن الماجشون النساء ، وفي هذا الباب وجوه كثيرة يأتي بيان ذلك عن قريب ، إن شاء الله تعالى . 2 ( ( بابُ دُعاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم اجْعَلْهَا عَلَيّهِم سِنِينَ كَسِنِي يوسُفَ ) ) أي : هذا باب في بيان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت على الكافرين بقوله : ( إجعلها ) أي : اجعل تلك المدة التي تقع فيها الشدة ، وهي التي قال صلى الله عليه وسلم : ( اللهم اشدد وطأتك على مضر ) ، وهذا الضمير هو المفعول الأول لقوله : ( اجعل ) ، وقوله : ( سنين ) ، بالنصب هو المفعول الثاني ، وسنين جمع : سنة ، وفيه شذوذان : أحدهما : تغيير مفرده من الفتحة إلى الكسرة . والآخر : كونه جمعا لغير ذوي العقول ، وحكمه أيضا مخالف لسائر الجموع في أنه يجوز فيه ثلاثة أوجه . الأول : أن يعرب كإعراب مسلمين . والثاني : أن تجعل نونه متعقب الإعراب منونا . والثالث : أن يكون منونا وغير منون ، منصرفا وغير منصرف .