العيني
229
عمدة القاري
في ذلك بحديث عائشة الذي يأتي عن قريب ، وفيه : ( حتى إني لأقول : هل قرأ بأم القرآن ؟ ) قلنا : سلمنا أن لا صلاة إلا بالقراءة ، وما اعتبرنا خلاف هؤلاء ، ولكن تعيين قراءة الفاتحة فيهما من أين ؟ فإن قالوا : بقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا صلاة إلاَّ بفاتحة الكتاب ) ؟ قلنا : يعارضه ما روى في صلاة المسئ حيث قال له : ( فكبر ثم إقرأ ما تيسر معك من القرآن ) ، فهذا ينافي تعيين قراءة الفاتحة في الصلاة مطلقا ، إذ لو كانت قراءتها متعينة لأمره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، بل هو صريح في الدلالة على أن الفرض مطلق القراءة ، كما ذهب إليه أبو حنيفة ، رضي الله تعالى عنه ، ويمكن أن يوجه وجه المطابقة بين حديث الباب وبين الترجمة بأن يقال : إن كلمة : ما ، في الأصل للاستفهام عن ماهية الشيء ، مثلاً : إذا قلت ما الإنسان معناه ؟ ما ذاته وحقيقته ؟ فجوابه : حيوان ناطق ، وقد يستفهم بها عن صفة الشيء نحو قلوه تعالى : * ( وما تلك بيمينك يا موسى ) * ( طه : 71 ) . وما لونها ؟ وههنا أيضا قوله : ما يقرأ ؟ استفهام عن صفة القراءة في ركعتي الفجر هل هي قصيرة أو طويلة ؟ فقوله : ( خفيفتين ) يدل على أنها كانت قصيرة ، إذ لو كانت طويلة لما وصفت عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، بقولها : ( خفيفتين ) . وأما تعيين هذه القراءة فيهما فقد علم بأحاديث أخرى . منها ما رواه ابن عمر ، أخرجه الترمذي فقال : حدثنا محمود بن غيلان ، وأبو عمار قالا : حدثنا أبو أحمد الزبيري حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن مجاهد ( عن ابن عمر ، قال : رمقت النبي صلى الله عليه وسلم شهرآ فكان يقرأ في ركعتي الفجر : قل يا أيها الكافرون ، وقل هو الله أحد ) . وقال : حديث ابن عمر حديث حسن ، وأبو أحمد الزبيري ثقة حافظ ، واسمه : محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي الكوفي . وأخرجه ابن ماجة عن أحمد بن سنان ومحمد بن عبادة كلاهما عن أبي أحمد الزبيري ، ورواه النسائي من رواية عمار بن زريق عن أبي إسحاق فزاد في إسناده إبراهيم بن مهاجر بين أبي إسحاق وبين مجاهد . ومنها ما رواه ابن مسعود ، رضي الله تعالى عنه : أخرجه الترمذي أيضا من رواية عاصم ابن بهدلة عن ذر وأبي وائل ، ( عن عبد الله قال : ما أحصي ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين بعد المغرب ، وفي الركعتين قبل صلاة الفجر : بقل يا أيها الكافرون ، وقل هو الله أحد ) . ومنها ما رواه أنس ، رضي الله تعالى عنه : أخرجه البزار من رواية موسى بن خلف عن قتادة ( عن أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في ركعتي الفجر : قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد ) ، ورجال إسناده ثقات . ومنها ما رواه أبو هريرة : أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة من رواية يزيد ابن كيسان عن أبي حازم ( عن أبي هريرة : أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قرأ في ركعتي الفجر : قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد ) . ولأبي هريرة حديث آخر رواه أبو داود من رواية أبي الغيب ، واسمه : سالم ، ( عن أبي هريرة : أنه سمع النبي ، صلى الله عليه وسلم ، يقرأ في ركعتي الفجر : * ( قل آمنا بالله وما أنزل إلينا ) * ( آل عمران : 48 ) . في الركعة الأولى وبهذه الآية * ( ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ) * ( آل عمران : 35 ) . أو * ( إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم ) * ( البقرة : 911 وفاطر : 42 ) . شك من الراوي . ومنها ما رواه ابن عباس : أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من رواية سعيد بن يسار ( عن ابن عباس ، قال : كان رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقرأ في ركعتي الفجر : * ( قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ) * ( البقرة : 631 ) . والتي في آل عمران : * ( تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ) * ( آل عمران : 46 ) . لفظ مسلم وفي رواية أبي داود ( إن كثيرا مما كان يقرأ رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في ركعتي الفجر * ( قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ) * ( البقرة : 631 ) . الآية ، قال : هذه في الركعة الأولى ، وفي الركعة الآخرة : * ( آمنا بالله وأشهد بأنا مسلمون ) * ( آل عمران : 252 والمائدة : 111 ) . وقال النسائي : كان يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما الآية التي في البقرة : * ( قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ) * ( البقرة : 631 ) . والباقي نحوه . ومنها ما رواه عبد الله بن جعفر : أخرجه الطبراني في ( الأوسط ) من رواية أصرم بن حوشب عن إسحاق بن واصل عن أبي جعفر محمد بن علي ( عن عبد الله بن جعفر ، قال : كان رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين ، بعد المغرب ، : قل يا أيها الكافرون ، وقل هو الله أحد ) . ومنها ما رواه جابر بن عبد الله : أخرجه ابن حبان في ( صحيحه ) من رواية طلحة بن خداش ( عن جابر بن عبد الله : أن رجلاً قام فركع ركعتي الفجر ، فقرأ في الأولى : قل يا أيها الكافرون ، حتى انقضت السورة ، فقال النبي ، صلى الله عليه وسلم ، هذا عبد عرف ربه ، وقرأ في الآخرة : قل هو الله أحد ، حتى انقضت السورة ، فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، هذا عبد آمن بربه . قال طلحة : فأنا أحب أقرأ بهاتين السورتين في هاتين الركعتين ) . وأما رجال حديث عائشة المذكور فقد ذكروا غير مرة . وأخرجه أبو داود في الصلاة عن القعنبي ، والنسائي فيه عن قتيبة كلاهما عن