العيني

223

عمدة القاري

ابن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن جده سعد بن أبي وقاص ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من سعادة ابن آدم استخارته الله تعالى . . ) الحديث ، ولا يصح إسناده . وأما حديث ابن عباس وابن عمر ، رضي الله تعالى عنهم ، فأخرجهما الطبراني في ( الكبير ) بإسناده عنهما ، قالا : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن : اللهم إني أستخيرك . . ) الحديث ، إلى آخر قوله : ( علام الغيوب ) وزاد بعده : ( اللهم ما قضيت علي من قضاء فاجعل عاقبته إلى خير ) ، وإسناده ضعيف ، وفيه عبد الله بن هانىء متهم بالكذب . وأما حديث أبي هريرة : فرواه ابن حبان في ( صحيحه ) من رواية أبي الفضل ابن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أراد أحدكم أمرا فليقل : اللهم إني أستخيرك . . ) فذكره ولم يقل : العظيم ، وفي آخره : ( ورضني بقدرك ) ، قال ابن حبان : أبو الفضل اسمه شبل بن العلاء بن عبد الرحمن ، مستقيم الأمر في الحديث ، وقد ضعفه ابن عدي ، فقال : حدث بأحاديث له غير محفوظة مناكير ، وأورد له هذا الحديث وقال : إنه منكر لا يحدث به غير شبل . وأما حديث أنس ، فرواه الطبراني في ( معجمه الصغير ) و ( الأوسط ) من رواية عبد القدوس بن حبيب عن الحسن عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما خاب من استخار ، ولا ندم من استشار ، ولا عال من اقتصد ) ، وقال : لم يروه عن الحسن إلاَّ عبد القدوس ، تفرد به ولده عبد السلام . انتهى . وعبد القدوس أجمعوا على تركه ، وكذبه الفلاس ، وقال أبو حاتم : عبد السلام وأبوه ضعيفان . ذكر اختلاف ألفاظ حديث جابر وغيره إسنادا ومتنا : ففي رواية للبخاري في التوحيد ، ورواية لأبي داود أيضا التصريح بسماع عبد الرحمن بن أبي الموالي عن ابن المنكدر ، وبسماع ابن المنكدر له عن جابر . وقال البخاري في الدعوات ( في الأمور كلها كالسورة من القرآن ) ، ولم يقل فيه : ( من غير الفريضة ) . وقال فيه : ( ثم رضني به ) ، وقال في كتاب التوحيد : ( كان يعلم أصحابه الاستخارة ) أي : صلاة الاستخارة ، ( في الأمور كلها ) ، وفي رواية النسائي في النكاح : ( وأستعينك بقدرتك ) ولم يقل أبو داود وابن ماجة : ( في الأمور كلها ) ، وزاد أبو داود بعد قوله : ( ومعاشي ومعادي ) ، وللطبراني في ( الأوسط ) في حديث ابن مسعود : ( وأسألك من فضلك الواسع ) . ذكر معناه : قوله : ( يعلمنا الاستخارة ) أي : صلاة الاستخارة ، ودعاءها ، وهي طلب الخيرة على وزن العنبة اسم من قولك : اختاره الله . وفي ( النهاية ) : خار الله لك أي : أعطاك ما هو خير لك ، قال : والخيرة ، بكون الياء الاسم منه ، وأما بالفتح فهو الاسم من قولك : اختاره الله . ومحمد صلى الله عليه وسلم خيرة الله من خلقه يقال بالفتح والسكون ، وهو من باب الاستفعال ، وهو في ( لسان العرب ) على معان : منها : سؤال الفعل ، والتقدير : أطلب منك الخير ، فيما هممت به ، والخير هو كل معنى زاد نفعه على ضره . قوله : ( في الأمور كلها ) دليل على العموم ، وأن المرء لا يحتقر أمرا لصغره وعدم الاهتمام به فيترك الاستخارة فيه ، فرب أمر يستخف بأمره فيكون في الإقدام عليه ضرر عظيم ، أو في تركه ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ( ليسأل أحدكم ربه حتى في شسع نعله . قوله : ( كما يعلمنا السورة من القرآن ) ، دليل على الاهتمام بأمر الاستخارة ، وأنه متأكد مرغب فيه . فإن قلت : كان ينبغي أن تجب الاستخارة استدلالاً بتشبيه ذلك بتعليم السورة من القرآن . كما استدل بعضهم على وجوب التشهد في الصلاة بقول ابن مسعود : كان يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن . قلت : الذي دل على وجوب التشهد الأمر في قوله : ( فليقل التحيات لله ) ، الحديث ؟ فإن قلت : هذا أيضا فيه أمر ، وهو قوله : ( فليركع ركعتين ثم ليقل ) ؟ قلت : الأمر في هذا معلق بالشرط ، وهو قوله : ( إا هم أحدكم بالأمر ) فإن قلت : إنما يؤمر به عند إرادة ذلك لا مطلقا ، كما قال في التشهد : ( وإذا صلى أحدكم فليقل التحيات لله ) ؟ قلت : التشهد جزء من الصلاة المفروضة ، فيؤخذ الوجوب من قوله : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) فأما الاستخارة فتدل على عدم وجوبها الأحاديث الصحيحة الدالة على انحصار فرض الصلاة في الخمس . فإن قلت : فعلى هذا ينبغي أن لا يكون الوتر واجبا ، ومع هذا هو واجب ، بل المنقول عن أبي حنيفة أنه فرض قلت : قد قامت الأدلة من الخارج على وجوب الوتر كما عرف في موضعه . قوله : ( إذا هم ) أي : إذا قصد . قوله : ( فليركع ركعتين ) ، أي : فليصل ركعتين ، وهو ذكر الجزء وإرادة الكل ، لأن الركوع جزء من أجزاء الصلاة . قوله : في غير الفريضة ) دليل