العيني

220

عمدة القاري

ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا عن علي بن عبد الله . وأخرجه مسلم فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة وابن عمر ونضر بن علي سفيان . وأخرجه الترمذي فيه عن يوسف بن عيسى عن عبد الله بن إدريس ، كلاهما عن مالك عن أبي النضر نحوه ، ولفظه : ( قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى ركعتي الفجر فإن كانت له إلي حاجة كلمني وإلاَّ خرج إلى الصلاة ) . وأخرجه أبو داود عن يحيى بن حكيم عن بشر بن عمر عن مالك بن أنس بلفظ : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قضى صلاته من آخر الليل ، فإن كنت مستيقظة حدثني ، وإن كنت نائمة إيقظني وصلى الركعتين ثم اضطجع حتى يأتيه المؤذن فيؤذنه بصلاة الصبح فيصلي ركعتين خفيفتين ثم يخرج إلى الصلاة ) . ذكر معناه : قوله : ( إذا صلى ) ، أي : ركعتي الفجر . قوله : ( وإلا ) أي : وإن لم أكن مستيقظة اضطجع . قوله : ( حتى نودي ) من النداء على صيغة المجهول ، هذا في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : ( حتى يؤذن ) ، بضم الياء آخر الحروف وتشديد الذال المعجمة المفتوحة على صيغة المجهول . ذكر ما يستفاد منه : فيه : الحجة لمن نفى وجوب الاضطجاع ، ومنه استدل بعضهم على عدم استحبابه ، ورد بأنه لا يلزم من تركه صلى الله عليه وسلم حين كون عائشة مستيقظة عدم الاستحباب ، وإنما تركه في ذلك يدل على عدم الوجوب . فإن قلت : في رواية أبي داود من طريق مالك أن كلامه صلى الله عليه وسلم لعائشة كان بعد فراغه من صلاة الليل ، وقبل أن يصلي ركعتي الفجر ؟ قلت : لا مانع من أن يكلمها قبل ركعتي الفجر وبعدهما ، وأن بعض الرواة عن مالك اقتصر على هذا ، واقتصر بعضهم على الآخر ، وفيه أنه : لا بأس بالكلام بعد ركعتي الفجر مع أهله وغيرهم من الكلام المباح ، وهو قول الجمهور ، وهو قول مالك والشافعي . وقد روى الدارقطني في ( غرائب مالك ) بإسناده إلى الوليد بن مسلم ( قال : كنت مع مالك بن أنس نتحدث بعد طلوع الفجر وبعد ركعتي الفجر ، ويفتي به أنه لا بأس بذلك ، وقال أبو بكر بن العربي : وليس في السكوت في ذلك الوقت فضل مأثور ، إنما ذلك بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس ) . وفي ( التوضيح ) اختلف السلف في الكلام بعد ركعتي الفجر فقال نافع : كان ابن عمر ربما يتكلم بعدهما ، وعن الحسن وابن سيرين مثله ، وكره الكوفيون الكلام قبل صلاة الفجر إلاَّ بخير ، وكان مالك يتكلم في العلم بعد ركعتي الفجر ، فإذا سلم من الصبح لم يتكلم مع أحد حتى تطلع الشمس . وقال مجاهد : رأى ابن مسعود رجلاً يكلم آخر بعد ركعتي الفجر ، فقال : إما أن تذكر الله وإما أن تسكت ، وعن سعيد بن جبير مثله ، وقال إبراهيم : كانوا يكرهون الكلام بعدها ، وهو قول عطاء ، وسئل جابر بن زيد : هل يفرق بين صلاة الفجر وبين الركعتين قبلها بكلام ؟ قال : لا إلاَّ أن يتكلم بحاجة إن شاء ، ذكر هذه الآثار ابن أبي شيبة . والقول الأول أولى بشهادة السنة الثابتة له ، ولأقول لأحد مع السنة ، وذكر بعض العلماء أن الحكمة في كلامه صلى الله عليه وسلم لعائشة وغيرها من نسائه بعد ركعتي الفجر أن يقع الفصل بين صلاة الفرض وصلاة النفل بكلام أو اضطجاع ، ولذلك نهى الذي وصل بين صلاة الصبح وغيرها بقوله : ( آالصبح أربعا ؟ ) وكما جاء في الحديث الصحيح : ( إذا صلى أحدكم الجمعة فلا يصلها بصلاة حتى يتكلم أو يخرج ) ، وكما نهى عن تقدم رمضان بصوم ، وعن تشييعة بصوم ، بتحريم صوم يوم العيد ليتميز الفرض من النفل . فإن قلت : الفصل حاصل بخروجه من حجر نسائه إلى المسجد ، فإنه كان يصلي ركعتي الفجر في بيته ، وقد اكتفى في الفصل في سنة الجمعة بخروجه من المسجد ، فينبغي أن يكتفي في الفصل بخروجه من بيته إلى المسجد . قلت : لما كانت حجر أزواجه شارعة في المسجد لم ير الفصل بالخروج منها ، بل فصل بالاضطجاع أو بالكلام أو بهما جميعا . 52 ( ( بابُ ما جَاءَ فِي التَّطَوُّعِ مَثْنَى مَثْنَى ) ) أي : هذا باب في بيان ما جاء في النفل أنه يصلي مثنى مثنى ، يعني : ركعتين ركعتين ، كل ركعتين بتسليمة ، ومثنى الثاني تأكيد لأنه داخل في حده ، إذ معناه : اثنين اثنين ، وعن هذا قالوا : إن مثنى معدول عن اثنين اثنين ، ففيه العدل والصفة ، ثم إطلاق قوله : ( ما جاء في التطوع مثنى مثنى ) يتناول تطوع الليل وتطوع النهار ، وقد وقع في أكثر النسخ هذا الباب بعد : باب ما يقرأ في ركعتي الفجر ، لأن الأبواب المتعلقة بركعتي الفجر ستة أبواب ، أولها : باب المداومة على ركعتي الفجر ، وآخرها : باب ما يقرأ في ركعتي الفجر .